سينما
اكتب تعليقُا

«المربع» للسويدي روبين أوستلند

★★★★★

لفت المخرج السويدي روبين أوستلند الأنظار في فيلمه السابق «فورس ماجور» (٢٠١٤) ليعود بعد ثلاث سنوات إلى مهرجان كان السينمائي بفيلم آخر نال هذه المرة السعفة الذهبية للمهرجان، وهو «المربّع» الذي بدأت قبل أيام عروضه التجارية في فرنسا.

يدور الفيلم حول شخصيته الرئيسية، كريستيان (كلايس بانغ)، مدير أحد أكبر المتاحف في ستوكهولم بالسويد، هو متحف للفنون المعاصرة، يسعى مديره على طول الفيلم ومع فريقه لإنتاج فيلم قصير كإعلان عن الموسم الجديد للمحتف. كان لا بد أن يكون ذلك هو الهم الأساسي له في الأيام القليلة التي تدور فيها الأحداث، في كيفية الحصول على الفيديو الأفضل، الأكثر إثارة وتحريضاً للناس وأكثر جذباً، يدرك أخيراً كارثته حين تتصل به شركة يوتيوب في السويد لتبارك له على المشاهدات العالية والآتية بسرعة للفيديو دون أن يعرف عن أي فيديو تحدّثه الموظّفة.

أتى الفيديو لضيف إلى مشاكله العديدة التي بدأت من المشاهد الأولى للفيلم، لا لأنّه لم يكن بالمستوى المطلوب بل لفضيحة احتواها. أمّا مشاكله اليومية العادية فقد بدأت في صباح يوم يتوجّه فيه إلى العمل، تعرّض للسرقة بمشهد تمثيلي: امرأة تطلب المساعدة والمعتدي وأحد المارّة كانوا عصابة سرقة، تدخّل هو للمساعدة فتمت سرقة هاتفه ومحفظته.

يكمل إلى المتحف ليحاول مع أحد الموظفين إيجاد الهاتف عن طريق تطبيق خاص على الإنترنت، يجده ويعرف أين استقر، في أي مبنى، فيقرر الاثنان أن يرسلا إلى جميع شقق المبنى رسالة تهديد إلى السارق بأنّ صاحب الهاتف يعرف هويته وعنوانه.

يعيد له السارق الهاتف والمحفظة لكن كريستيان الذي وضع الرسائل في كل الشقق، صارت تصله رسائل تهديد وعتاب وشكوى بأنّه يتهم الآخرين بالسرقة.

من مشكلة كبيرة وجد الرّجل مخرجاً منها يدخل في أخرى، وهو الحال في باقي مشاكله الصغيرة إنّما التي ما إن تُحلّ حتى يخرج منها استتباعات، أحد الأولاد مثلاً، ممن وصلت لعائلته هذه الرسالة، يجد كريستيان ويتعلّق به صارخاً بأنّ أبويه حرمانه من اللعب لأنه سارق. المشكلة مع الولد تمتد إلى نهاية الفيلم، متفرّعة عن أخرى، بل ينتهي الفيلم بمشكلة مرتبطة بها.

ولأن المشاكل اليومية لدى كريتسيان تتوازى، فالفيلم يبدأ أساساً بمقابلة مع مذيعة تلفزيونية (إليزابيث موس)، يظهر الإرباك عليها كونها تحاور مدير المتحف، إنّما يتعرّض لسؤال هو شرح ما وُرد في موقعهم الإلكتروني، قرأته له فلم يفهمه، وينتهي اللقاء مقطوشاً بغرابة السؤال وإجابته عليه. لاحقاً سيمارس الحب معها، إثر ليلة افتتاح الموسم الجديد من المعارض، في اليوم التالي ستضعه في موقف محرج تسأله إن كان من العادي أن ينام مع نساء ويتركهن بسهولة، وإن كان حتى يتذكّر اسمها.

مشاكل أخرى تأتي متوازية مع كل ذلك، كابنتيه اللتان تزورانه ولا تكفان عن الشجار، وتخريب أحد العروض الإنشائية في المتحف من قبل أحد العاملين فيه كمنظّف، وتحديداً سهرة العشاء التي تم فيها دعوة العديد من الشخصيات الهامة، حيث أدى أحد ”الفنانين” عرضاً متشبّهاً بحيوان بدائي، كالقرد، معتدياً، أخيراً، على الحضور، متسبباً لكريستيان بالإحراج. كل هذه التفاصيل تأتي مرافقة لمشكلته الأكبر وهي الفيديو الذي تم عرضه والذي اضطر لمواجهة الصحافة لأجله والإعلان عن استقالته.

اسم الفيلم (The Square) أتى من اسم لعمل إنشائي سيفتتح به المتحف موسمه، العمل الذي سيكون الإعلان عنه فضيحة لدى المتحف، هو مساحة مربّعة في ساحة المتحف حيث لدى جميع الواقفين فيه حقوق وواجبات متساوية، دون أي معنى في ذلك إن أخذنا بعين الاعتبار أن المسألة نظرياً حاضرة خارج إطار المربع. قد يدل ذلك على خواء العديد من الأعمال المعاصرة من المعنى، يضيف إلى هذه الفكرة العمل الذي تم تخريبه من قبل أحد الموظفين، وهو عبارة عن حصى مجمّعة على شكل أهرام صغيرة، لا يدخله سوى واحد يحمل هاتفه قبل أن يُطلب منه ألا يصوّر، ونرى اثنين قبل ذلك يطلّان برأسيهما إلى الصالة ويريان أن ليس فيها سوى حصى مرتّب بشكل معين، فلا يدخلانها.

السخرية التي تمتد على طول الفيلم، تطال عالم المتاحف، من بينها بعض الأعمال المعاصرة التي تعرضها، ففي البداية، في المقابلة، يشير كريستيان إلى أن أي عمل يمكن إن وضع في المتحف أن يكون عملاً فنياً، قائلاً للمذيعة بأنّه إن أخذ حقيبتها الآن ووضعها خلفه، في إحدى صالات المتحف، سيكون عملاً فنياً. وفي إشارة أخرى إلى هذا الخراب الفني نشاهد محاولة نقل تمثال برونزي عتيق لفارس على حصانه من أمام المتحف، يقعل التمثال ويتكسّر، وهي اللقطة الأولى من الفيلم.

تتداخل في الفيلم الفنون بالجنس بالإعلام بالسلطة بالتوافه التي قد تملأ أيام أحدهم، كما هو الحال مع كريستيان، توافه تشغل من يومه وقتاً معتبراً وتتداخل مع حياته المهنية.

في الفيلم تداخل بين الأعمال الفنية، الإنشائية، وبين بعض مشاهده وحواراته، تفاعل بين الاثنين كأنّ العمل الفني يكمل المشهد أمامنا، من بينها المحادثة التي أشرت إليها أعلاه، بعد ممارسة الجنس مع المذيعة، إذ يرافق حديثهما أصوات انهيار لكراس هي عمل فني نراه في الخلفية منهما، كانت مؤثرات صوتية هي من صلب المشهد والحوار، وكان المشهد من بين الأفضل في هذا الفيلم الذي نال ذهبيّة المهرجان ضمن منافسة قوية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.