سينما
اكتب تعليقُا

«على كف عفريت» للتونسية كوثر بن هنية

★★★★

أتجنب الكتابة عن أفلام عربية لأنّ الحديث سيأخذنا غالباً إلى مواضيع سياسية، خاصة وأنّ أغلبها، القادم من مصر وتونس وسوريا، متعلّق بالثورات وما بعدها، وتلك الفلسطينية صارت السياسة موضوعاً أثيراً لديها. لكن لهذا السبب تحديداً -السياسي- وجدتُني أكتب عن الفيلم موضوع هذه الأسطر، إضافة إلى سبب أساسي آخر يصعب توافره لدى الأفلام الروائية العربية خلال السنوات الأخيرة وهو المستوى العالي للفيلم، كتابةً وإخراجاً.

يصوّر «على كف عفريت» ساعات قليلة من تونس ما بعد الثورة، مكثّفاً بذلك اللحظة السياسية لتونس اليوم، وحكايته مقتبسة من قصّة حقيقية جرت قبل سنتين، عنوان الفيلم العربي يشير إلى تلك اللحظة (عنوانه الفرنسي والإنكليزي هو «الجميلة والكلاب»)، وقد نطقه أحد رجال الشرطة في الفيلم حين قال للفتاة بأنّ البلد ”على كف عفريت“ وأنّ عليها، لذلك، أن تسكت.

يصعب إنجاز فيلم تدور أحداثه ضمن ساعات قليلة، وهي هنا ليلة واحدة، أو نصف ليلة، ويصعب أكثر إنجازه ضمن أمكنة محدودة، وهي هنا ناد ليلي وعيادة ومستشفى ومكتب تحقيق ومركز شرطة. النادي كان تقديماً للحكاية أما الأمكنة الأخرى فكانت حيث الطبابة (العيادة والمستشفى) وحيث الأمن (مكتب التحقيق ومركز الشرطة)، وكلاهما معياران أساسيان يُقاس بهما المدى المتحقّق من العدالة في أي دولة. فكانت الحكاية، لتناقض حالة الفتاة مع ما تعنيه هذه الأمكنة (الطبابة والأمن) وللظلم الذي تلقّته في هذه الأمكنة تحديداً ومن العاملين فيها، في أوجها من الدقائق الأولى من الفيلم حتى الأخيرة.

لمحدودية المكان والزّمان إذن، كان على السيناريو والحوارات أن يكونا تعويضاً مقنعاً لهذه المحدودية كما لعدد الشخصيات، إذ أنّها، جميعها ثانوية ومتشابهة، ما يعطيها تمثيلاً جمعياً وعاماً: الدولة والشرطة والمجتمع والبيروقراطية والظلم، مقابل اثنين، الفتاة وصديقها، وقد أُعطيا قيمة فرديّة، الفتاة تحديداً. فكان السيناريو والحوارات مكثّفة ومتصاعدة، وكان كلّ مشهد من الفيلم أقرب ليكون ذروته، لنكتشف أن بؤساً قادماً لهذه الفتاة وأنّ مأساتها لم تنته بعمليّة الاغتصاب، بل بدأت بها.

الفيلم الذي شارك في مهرجان كان الأخير، ضمن تظاهرة «نظرة ما» ويُعرض في الصالات الفرنسية حالياً، كتبته وأخرجته التونسية كوثر بن هنيّة («زينب تكره الثلج» ٢٠١٦ – «شلاط تونس» ٢٠١٣). نقلت بن هنيّة الحكاية بشكل متقطّع، مشاهد متقطّعة زمنياً، ما أوحى باستطالة الزمن القصير، هو الليلة التي لم يبدُ أنّها ستنتهي. لكل مشهد ديكوره، كأنّ مأساة كهذه لا يمكن ألا تُصوّر بأسلوب غير مسرحيّ، كأنّ التراجيديات الفردية -وهي هنا جماعية كما هي فردية- لا تحتمل أمكنة شاسعة وأزمنة تطول، وهو حال التراجيديات.

أتت المشاهد مقسّمة، مرقّمة لأنّ الحالة تتصاعد، المأساة بدأت بالاغتصاب لتتصاعد. تبدأ بمريم، فتاة ريفيّة (مريم الفرجاني)، طالبة بعمر ٢١ عاماً، اضطرت لتغيير فستانها وقد تمزّق، بآخر أحضرته صديقتها ويكشف عن زنديها. هناك التقت بشاب خجلت بدايةً من الحديث معه، تعرّفا على بعضهما وخرجا إلى الشاطئ، وبقي أصدقاؤها في النادي الليلي في الفندق، وقد استأجره الطلّاب.

ينتهي المشهد الأوّل لنجد الفتاة فجأة تركض هاربة، فنعرف أنّه تم اغتصابها، تدخل مع صديقها إلى عيادة ليطلبا تقريراً طبياً يقدّمان به شكوى على المعتدين، يتم إخبارهما ببرود وبيروقراطية مريعة ومستفزّة (سنعرف لاحقاً أنّها مقدّمة لما سيتلقيانه في مركز الشرطة) بأن التقرير يأتي بعد الشكوى لدى الشرطة، لكن الشكوى ستكون على رجال شرطة ولا بد من التقرير ليقدّما الشكوى على أساسه، من هنا نعرف أن مأساة الفتاة بدأت وحسب مع الاغتصاب ومنها ستتصاعد، وأنّنا دخلنا في متاهة كافكاويّة لن تعرف الفتاة فيها، على طول الفيلم، كيف وصلت وكيف تخرج وأين تذهب ولمن تلتجئ.

تتلاحق المشاهد التالية: المستشفى، مكتب التحقيق، مركز الشرطة، وفيها جميعها يزداد منسوب الكافكاوية ويزداد معه اليأس في أملٍ لما يمكن أن يُخرج الفتاة مما هي فيه، لكن في الوقت نفسه يزداد إصرارها على نيل حقّها، رغم كل ما لاقته من تعنيف نفسي وجسدي لحق باغتصابها، مارسه عليها موظفون حكوميون كما -تحديداً- رجال الشرطة. إصرارها وصديقها على تقديم الشكوى ضد رجال شرطة في مركز الشرطة رغم -كذلك- التهديدات بالقتل والحبس، جعل الفتاة في موقع لا القوي، بل العنيد الذي يعرف أنّه الضّعيف لكنّه على حق، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الحق سينتصر في النهاية، لنصل إلى الحالتين الكلاسيكيتين والمتقابلتين: قوة الحق وحق القوة.

تشكّل قوة المجتمع نقطة أساسية في ثيمة الفيلم، فمريم لم تكن تواجه أشخاصاً محدّدين فحسب: مغتصبيها، بل مجتمعاً ذكورياً أبوياً سلطوياً أمنياً عنصرياً: فهي جهدت لأن لا يعرف أبوها بالموضوع، ما تسبب لها للحظات بالضّعف مقابل الشرطي الذي يسعى، بكل وضوح، لاغتصابها كما فعل رفاقه. ونقلُ خبر اغتصابها لعائلتها كان أسلوب تهديد من المحقّق نفسه، ومريم كانت تواجه العنصرية من هؤلاء أنفسهم كفتاة ريفية، وذلك كان أيضاً أسلوباً في ابتزازها لتتنازل عن حقها في الشكوى، ومريم كذلك كانت تواجه مجتمعاً الرجل فيه هو القوي وهو السلطة، هو المسلّح وهو العنيف وهو نفسه رجل الشرطة، هو المعتدي وهو مَن مِن المفترض أن يكون حامياً. كانت لوحدها أمام هذه الوحوش، معها صديقها الذي شارك في الثورة التونسية والذي هو كذلك ضعيف مقابل رجال الأمن، وهؤلاء هم ”الدولة العميقة“ التي أثبتت أن الثورة لم تحقّق ما خرجت لأجله، عدلاً وأمناً وكذلك إتاحةً لحب بين شاب وفتاة تعارفا للتو وخرجا ليتمشّيا على الشاطئ.

لا تتوقّف جمالية الفيلم على كتابته، قصة تتطوّر وحوارات، بل يمتد إلى الجانب البصري فيه، الليلة المعتمة التي تمت فيها عملية الاغتصاب وما تبعها كانت مصوّرة بإضاءات خضراء وزرقاء وبعض البنفسجي، أُضيفت الألوان ذاتها إلى ملابس الشخصيات وديكورات الأمكنة ودهاناتها، وهذه الألوان هي الباردة المتجاورة في برودها، الكئيبة السوداوية الأنسب لتكون الجانب البصريّ لحكاية تكشف لنا كم هو مجتمعنا العربي (والحال في تونس هو الأفضل عربياً!) بائساً ويائساً، ذكورياً وأبوياً، سلطوياً وقمعياً، لا مكان للضعيف فيه فكيف إن كان هذا الضّعيف فتاة وفقيرة وريفية، وكيف إن كان القوي رجلاً وشرطياً ومغتصباً وفاسداً.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s