سينما
اكتب تعليقُا

«النّهار يطلع» للفرنسي مارسيل كارنيه (١٩٣٩)

★★★★★

هو أحد الأفلام التي بدأت بها سينماتيك تولوز موسمها الجديد، وهو أساساً أحد الكلاسيكيات في السينما الفرنسية وفي كل العالم، لواحد من المخرجين الفرنسيين المؤسسين لما سيلحقه، مارسيل كارنيه، وتحديداً في اللون السينمائي الذي أسّس له وهو الرومانسية الواقعية، وهو ثمرة تعاون مشترك مع كاتب السيناريو والشاعر جاك بريفيه، حيث تتجاور أسئلة الحب والجنس والمجتمع الطبقي.

في الفيلم حكاية حب تراجيدية بين بطلَي الفيلم، لكن ما يميّزه هي التقنية التي روى فيها المخرج الحكاية، وذلك في فيلم باكر جداً، ١٩٣٩، حيث اعتمد على الاستعادة (الفلاشباك) ليحكي عن الحب الذي أوصل البطل فرانسوا (جان غابان) في آخر الفيلم، إلى المشهد الأوّل الذي شاهدنا فيه رجلاً يخرج من بيت، مصاباً ببطنه، يتدحرج على درج المبنى ويموت.

من البداية نعرف أنّ هذا الرجل سيموت وأنّ الآخر قام بقتله وبقي في مسكنه، وهو غرفة واحدة متقشفة، الشرطة تنادي عليه من الخارج وهو منزوٍ على سريره، يسرح في ذهنه ويبدأ باستعادة الأحداث التي أوصلته إلى هنا، فندخل كمشاهدين في زمن سابق حيث يعمل فرانسوا في مصنع ويلتقي للمرة الأولى بفرانسواز التي ستصير حبيبته.

يتعرف فرانسوا وفرانسواز إلى بعضهما، يمازحها معلّقاً على تشابههما في أكثر من أمر من بينها اسميهما والطبقة الاجتماعية الفقيرة التي ينتميان إليها، تتطور العلاقة سريعاً إلى أن تصدّ هي محاولته التقرّب منها لنعرف أنها ستخرج لتلتقي بأحدهم، يلحقها ويكتشف أنها تواعد رجلاً غيره، وهذا الرجل هو الذي شاهدناه في الأول يخرج من بيت فرانسوا برصاصة في بطنه. يعمل الرّجل كمدرّب كلاب على عروض بهلوانية، له مساعدة وهي امرأة لعوب، يتعرّف إليها فرانسوا ويقيم علاقة معها إنّما ناقصة الحب، فكليهما يعرف أنّه مازال يحب فرانسواز التي خطفها منه رجل لا يتميّز عنه سوى بماله الوفير.

نعود إلى الزمن الحالي، وهو الليلة التي ينتظر فيها فرانسوا في غرفته لا يعرف ما يفعل، يشعل سيجارة من أخرى وقد نفدت عيدان الثقاب لديه، مستمراً في إشعال سجائره إلى أن يدخّن آخرها، أوّل الصباح. فالسجائر المشتعلة والمتحوّلة لرماد حتماً متى أُشعلت إشارة إلى أن الزمن ينفد منه وأنّ أجله قد اقترب.

يعود فرانسوا بالذاكرة ثلاث مرات، في المرة الثانية تتطور أكثر الحكاية، يتواجه مع الرجل في أكثر من مكان، ومع فرانسواز وكذلك مع عشيقته، يتأكد أكثر أن الرجل وفرانسواز على علاقة تامة، يزداد توتّره تجاه ما يحصل، يصبح عصبياً وهو أساساً رجل هادئ وصاحب صيت جيد في الحي والعمل.

الاستعادة الثالثة والأخيرة هي زيارة الرجل إليه في بيته، حاملاً مسدساً، مستفزاً فرانسوا عدة مرات، واضعاً المسدس على الطاولة، يتقدّم الحديث بينهما إلى أن نرى الرجل يخرج من البيت مصاباً، فيلتحم المشهد وهو في نهايات الفيلم، بالمشهد الأوّل الذي نرى فيها اللقطة ذاتها، أي الرجل يخرج مصاباً من الباب، إنّما من الخارج. هنا نراها من الداخل. رأيناها أولاً من وجهة نظر الجيران  المتواجدين في المبنى غير العارفين بما حصل، لنراها أخيراً من وجهة نظر فرانسوا بعدما مرّت علينا الحكاية كلّها.

في المشهد الأوّل يرتطم بالرجل على الدرج أحد الجيران وهو أعمى، يثير الهلع صارخاً بأنّ أحدهم على الأرض، وفي ذلك إشارة إلى أن الجميع هنا لن يعرف ما حصل، لم يرَ كيف وصل هذا الرجل الملقى أرضاً إلى هذه اللحظة، فينتهي الفيلم دون أن يعرف أحد ما حصل، في الغرفة وما أدى بفرانسوا، الهادئ العاشق الخائب، بقتل الآخر.

في الفيلم عدّة رموز للزمن، فإضافة إلى السيجارة هنالك ساعة المنبّه التي كان فرانسوا يجهّزها لترنّ صباحاً ويصحو إلى عمله، والرجل الشرير في غرفته يستفزه، والتي سترنّ أخيراً معلنة لحظة استيقاظه ليذهب إلى عمله، وهي اللحظة التي سيطلع فيها النّهار. وقد أمضى فرانسوا الليلة محاطاً بالشرطة التي أطلقت النار مرّات عدّة إلى غرفته، ومتفقّداً ما يذكّره بحبيبته، وهي مقتنيات مادية أعادتنا كمشاهدين إلى واحدة من استعادات فرانسوا في ذاكرته، فالحب بالنسبة لها مادي، مرتبط بأشياء نقتنيها ونشتريها، ما جعلها تختار الرجل الغنّي لا العامل الفقير.

بدأ الفيلم (Le Jour Se Lève) بالنهاية المأسويّة، فصرنا نتابع الحكاية ونحن نعرف ما ستؤول إليه، كأنّنا نراقبها لنرى كيف ستصل إلى ذلك تحديداً، في تجربة ”فلاش باك“ هي الأولى في فيلم فرنسي ناطق. نقلها كارنيه بشاعرية عالية صوّرها، وكتبها الشاعر الفرنسي المعروف، بريفيه، ليَخرج الفيلم أخيراً بهذه الرقّة والجمالية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s