1, الأولى
اكتب تعليقُا

“فلسطين الصغرى” لعبدالله الخطيب… المأساة بصورتها المكثفة

ينحصر الحديث عن السينما الفلسطينية، عموماً، في تلك التي تصوّر أحداثاً وحكايات في فلسطين، فأي فيلم يمكن أن يخطر لأحدنا من هذه السينما، سيكون قد صُوّر هناك، وكذلك الحال مع ثاني وثالث فيلم، وأكثر. ما لم يتقصّد أحدنا البحث في ذهنه عن فيلم فلسطيني خارج فلسطين، قد لا تنتهي به العناوين لأفلام وثائقية وروائية وُسمت بالفلسطينية.

قبل عشرة أعوام، قدّم مهدي فليفل في فيلمه “عالم ليس لنا” (2012) شقاً في هذا الحصر لما هو فلسطيني، مصوراً في مخيم “عين الحلوة” في لبنان، وذكّر فيلمه بأن أناساً وحكايات هي فلسطينية تماماً، يمكن أن تصوَّر وتوثَّق خارج الحدود السياسية لما يُعرف بفلسطين الـ 48 و الـ 67. وذلك بعد عشرة أعوام تقريباً على “أطفال شاتيلا” (1998) لمي المصري، عن أطفال هذا المخيم في لبنان، يليه ربطُها بين ما هو خارج فلسطين وما هو داخلها، من خلال الأطفال كذلك، مع تحرير جنوب لبنان، في فيلمها “أحلام المنفى” (2001).

هذه الاستعادة للمخيمات خارج فلسطين، ضمن السينما الفلسطينية، بوتيرة عقد من الزمن، أكثر أو أقل، تتخللها أفلام قد لا تكون بأهمية المرتكزات في هذه السينما، إنما يمكن لأحدنا أن يلحظ الفترات المتباعدة ما بين فيلم عن مخيم خارج فلسطين وآخر. آخرها، موضوع المقالة، لا يقل أهمية عن أي منها، بل إن فيه ما يمايزه عنها، وهو عفويته وتلقائية مادته الأساسية، ناقلاً الصورة كما هي من مكانها، ولا يقوم باستعادتها من مكان زمان خارجَين، فالجانب التوثيقي فيه عاد إلى أصله، إلى فكرته الأولى وهي التسجيل للتوثيق لا لصنع فيلم بالضرورة، ثم، بما سُجّل، قد يُصنع الفيلم.

يصور “فلسطين الصغرى: يوميات حصار” الحصارَ الذي فرضه النظام السوري على مخيم اليرموك ما بين 2012 و 2015، منتهياً بتهجير الأهالي واستلام تنظيم داعش للمخيم من النظام السوري. فكانت المَشاهد شديدة الوثائقية، دون تعليقات ضرورية، وإن أرفق الخطيب مَشاهده بنصٍّ خارجي له. المشاهد الآتية من قلب الحصار، تنال استثنائيتها من طبيعة تصويرها، فكانت لتوثيق المأساة الراهنة التي يعيشها أهالي اليرموك، دون معايير ولا اعتبارات يمكن لنيّة تحويلها إلى فيلم أن توجّه بعض المشاهد أو تتقصّد في أخرى، فيفقد الفيلم من طبيعيته وتخفت علاقة التصوير بالمصوَّر.

اشتغل الخطيب على مئات الساعات التي صورها من المخيم في حصاره، وخرج بهذا الفيلم وهو الأقسى في السينما الفلسطينية في مرحلتها ما بعد الأفلام التسجيلية التي نقلت شهادات من مجزرتَي تل الزعتر وصبرا وشاتيلا في لبنان. بخلاف أفلام المجزرتَين، المبنية على شهادات ناجين من المجزرة كما في “لأن الجذور لا تموت”، 1977، لنبيهة لطفي، أو شهادات مرتكبيها كما في “ماسّاكر” (مجزرة)، 2005، لمونيكا بورغمان ولقمان سليم، لم يأت “فلسطين الصغرى” بشهادات خارج المكان أو الزمان، بل سجّل الحدث كما هو. تبقى لـ “فلسطين الصغرى” استثنائية التصوير من الداخل مكاناً وزماناً، وقد تماهى عبدالله مع الشخصيات الواقعية لفيلمه، فكان -لا لرغبة منه فلم يكن يصوّر فيلماً بل كان واحداً من المصوَّرين- خلف الكاميرا مرّات، ومرّات أمامها، دون تمثيل، هي واقعية حيّة وتامّة، كأنّها ما أراده دزيغا فيرتوف من الوثائقيات أو من “سينما الحقيقة”. تماهى مع شخصياته في حقيقة كونه إحداها، يصور لينقل معاناة الناس في فيديوهات كان يمكن أن تُنشر على الإنترنت أو تبثها تلفزيونات أو تستخدمها مؤسسات ومحاكم لإدانة النظام السوري. المَشاهد التي يمكن أن تكون بتلك القساوة، كدليل في محكمة، صارت، أخيراً، فيلماً وثائقياً غير مكترث بأدبيات الصناعة الوثائقية ولا بتنبيهات تسبق الفيلم وتراعي حساسية المتفرّج.

الفيلم هو الأقسى منذ أفلام ووثائقيات وتقارير تلفزيونية تناولت مجزرة تل الزعتر ومن بعدها صبرا وشاتيلا، فـلم تدخل مَشاهد الفيلم إلى المخيم من بعد فك حصاره كما هو الحال مع ما وصلنا من صور صبرا وشاتيلا، ولا نقل شهادات الناجين كما وصلتنا من تل الزعتر، وكلاهما مجزرة حوصر فيها المخيم قبل ارتكاب مجزرة على أيدي اليمين اللبناني متعاوناً مع الجيش السوري في الأولى والإسرائيلي في الثانية. “فلسطين الصغرى” صوّر المجزرة المرتكَبة ببطء وعلى شكل حصار طويل وقاس، صوّر عمليات القتل على شكل بحث يائس عما يسد الجوع أو الرمق غير الماء المغلي بالبهارات. وهذا ما جعل طبيعته، خارجاً من مكان المأساة وزمانها، قابلاً للمشاهدة، إذ لا دماء ولا أشلاء فيه، لا صور لمجزرة تقليدية.

“فلسطين الصغرى” يكمل دائرة المأساة الفلسطينية المعاصرة، يعطي إثباتاً موثّّقاً وموثِّقاً للقول في استمرارية النكبة وفي أمكنة هي فلسطينية وهي خارج فلسطين، فالمخيم لا يكون فلسطين صغيرة لدى أهله بما يمكن أن يعنيه الوطن وحسب، الوطن المفقود تحديداً. المخيم، اليرموك هنا، هو تكثيف الحالة الفلسطينية في مأساتها، في العقد الثاني من القرن، في موقع وزمان محدّدَين، خارج المتعارَف عليه سينمائياً، فلسطينياً. هو تكثيف اتسعت مأساتُه لكل الفلسطينيين.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وناقد فلسطيني، باريس. محرّر "رمّان الثقافية". يكتب المقال السينمائي في "القدس العربي". يعد ويقدم النشرة الثقافية في "مونت كارلو ". آخر كتبه الروايات: «عين الديك» (٢٠٢٢، هاشيت أنطوان/نوفل)، و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفّورية».

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.