سينما
اكتب تعليقُا

«البرج» للنرويجي ماتس غرورود

★★★★★

كثيرة هي الأفلام التي يكون تناولها للقضية الفلسطينية شاملاً، أي أنها لا تخلو من إشارات إلى النكبة عام ١٩٤٨، وإلى ما تلاها من مراحل مرّ بها الفلسطينيون: الخيَم، اللجوء، احتلال عام ١٩٦٧، الفدائيون، الثورة، أوسلو، الانتفاضة… وذلك طبيعي لضرورة فهم السياق التاريخي الذي تُروى فيه حكاية الفيلم في مدة لا تزيد عن ساعتين، وفي زمن هو راهن، أي أتى متأثراً بكل ما سبقه.

لكن هذا السرد الطويل زمانياً سيأخذ مساحة زمنيّة من الشريط على حساب الحكاية الفردية التي يرويها الفيلم، بما في الحكاية من أحداث تفصيلية وتطوّرات في الشخصيات وأحداث محورية.

هنا، في هذا الفيلم للنرويجي ماتس غرورود، لم تزدحم الحكاية بالمراحل الزمانية للتاريخ الفلسطيني، بل أخذ منها المخرج ما خدم حكايته البسيطة، ولم يحتَج ليصوّر زمناً طويلاً فيه تطوّرٌ ملحوظ في الشخصيات إذ أنّ الزمن الواقعي في الفيلم لا يتجاوز اليوم الواحد، من اللحظة التي تعود فيها الطفلة، واسمها وردة، من مدرستها إلى بيت أهلها في مخيم برج البراجنة في بيروت، إلى صباح اليوم التالي حيث تذهب إلى المدرسة.

لذلك، كان المرور على مراحل زمنية من حياة الفلسطينيين مُدمَجاً مع عموم الحكاية، ومع أساس الموضوعة الرئيسية هنا وهي ”الأمل“، أما الترميز لها فيكون بشجرة الجوافة الحمراء التي حمل بذورها جدّ وردة من الجليل في فلسطين وزرعها بجانب البيت فتنمو الشجرة وتثمر وتُفرح الطفلة وردة. والمرور المذكور يكون بذكريات يرويها جدّ وردة و ”سيدي“، والد جدّها. الأخير لا يروي عن النكبة بل عن خروجه هو وعائلته خلال النكبة من إحدى قرى الجليل إلى لبنان، والأوّل يروي كيف استطاع أن يكون في فلسطين بعد ذلك، إنّما كفدائي متسللاً مضطراً أخيراً للعودة إلى المخيم. وهذه الاستعادات ليست عمومية، ليست مقحمة، هي قصص فردية لهذه العائلة، تُروى إلى وردة، كلٌّ من موقعه ضمن الأجيال الفلسطينية التي تأثرت بالنكبة وما تلاها. وذلك أتى متعلقاً تماماً بفكرة الأمل التي تجول على طول الفيلم من خلال الطفلة التي عادت من المدرسة فرحة بشهادتها، والتي تلتقي بجدها نهاراً، ليمرر لها مفتاحه الذي خرج به من بيته في فلسطين عام النكبة، ويبقى معها، لتلتقي هي على مدى ذلك النهار بآخرين من عائلتها، من أجيال مختلفة عانت بشكل أو بآخر من آثار النكبة، من بينها كان ما عُرف بحرب المخيّمات حيث حاصرت ميليشياتٌ لبنانية مخيمات فلسطينية وارتكبت فيها المجازر، منها سوء معاملة لبنانيين لأحد أقرباء وردة الذي يتجوّل في بيروت ليمسح الأحذية – ما يذكّرنا بإحدى قصص غسان كنفاني- منها ما سبق ذلك من اجتياح إسرائيلي لبيروت، وغيرها من القصص التي يرويها أقرباء وردة لها، قصص تتالى إثر النكبة: القصة الأولى التي حكاها لها ”سيدها“.

هذه الحكايا تتالى عبر صعود وردة البيت الذي تشكّل من طوابق، كباقي بيوت المخيّم، إذ تتراكم الطوابق كأنّها تشير إلى الأجيال التي لحقت النكبة، وإلى الأزمنة التي مرت منذ ١٩٤٨، كأنّ هذه الطوابق التي ترتفع كلّما تزوّج ابنٌ للصاحب الأوّل للبيت، ساكن الطاق الأرضي، كأنّها طوابق تروي الزمن الطويل الممتد لأجيال، ولكل جيل قصّته. وكانت، الطوابق، تبني معاً الأمل الذي تحمله وردة معلقاً على رقبتها، وهي التي سألت جدّها وهو على سرير الموت إن كان فعلاً قد فقد الأمل ليجيبها بأن لا، وبأنّها هي أمله.

الفيلم المعروض في مهرجان ”أيام فلسطين السينمائية“ في رام الله، نُقلت الحكاية فيه ضمن خطّين متوازيين: الزمن الراهن وهو اليوم الذي تقضيه وردة في بيت العائلة، والأزمنة السابقة التي تُحكى للفتاة من خلال ذكريات أهلها، وهي أزمنة كان لها أثرها على الفلسطيني ابن المخيمات، ابن مخيمات لبنان تحديداً، وتحديداً أكثر، على أهل وردة.

وكان لهذا السرد الحكائي الموازي، سرداً بصرياً ميّز بشكل جمالي ملفت بين الزمن الراهن والأزمنة السابقة، فالزمن الراهن، وردة أثناء يومها، نُقلت من خلال دمى بثلاثة أبعاد، أمّا الذكريات فكانت كلّها رسومات ببعدين. ما يمكن أن يكون فصلاً شكلياً بين الزمنين، فصلاً لا يجمع بينهما سوى الأمل الذي تمثله وردة، الأمل الذي بدأ بحمل ”سيدها“ للمفتاح في الذكريات عن النكبة، الأمل الذي استمر بحمل جدّها للكلاشن أيام الفدائية، وهو الأمل الذي بدأ به الفيلم، وذلك بحمل وردة ذاتها لشهادتها المدرسية التي تظهر تفوّقها، وتركض إلى بيت أهلها لتريهم إياها فرحة. كأنّها، المفتاح والكلاشن والشهادة، ثمرات شجرة جوّافة حمراء ماتزال تثمر.

فيلم الأنيمايشن (The tower) – إنتاج نرويجي سويدي فرنسي، ٢٠١٨- الذي يمر من خلال قصة يوم واحد، على سبعين عاماً من التاريخ الفلسطيني إثر النكبة، في مخيم مثيل لباقي المخيمات خارج فلسطين، استطاع إيصال قصة شخصية بذلك التاريخ الطويل بما فيه من تعقيدات، بسرد حكائي مبسّط دون أن يفقد لا مصداقيته ولا عمقه، وبسرد بصري جمالي ملفت.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.