All posts filed under: سياسة

أبو شاور وأبو خالد وآخرون.. في القصر الجمهوري

في المخيّم، الأشهر الأولى للانتفاض الثانية، برزت أسماء فلسطينية، أو كانت بارزة وزاد بروزُها آنذاك للأمسيات التي كانوا يلقون فيها قصائد، كخالد أبو خالد، أو لمقالات ينشرونها، كرشاد أبو شاور، وكانت جميعها سياسيّة. في المخيّم، سعيتُ مرّة للوصول إلى كتابات أدبيّة لكليْهما ولآخرين، سعيٌ لم يتعدَّ الكتاب الأوّل الذي وجدته. وما قرأته، أدباً ومقالات، ساهم في أمريْن: تشكيل وعيٍ زائف بالقضيّة الفلسطينيّة وتشكيل ذائقة أدبيّة زائفة هي الأخرى، أظنّني تركتها بعدما لم أجد سبباً يجعلني أبحث عن الكتاب الثاني لهذا وذاك.

إنصافاً “للموقف الفلسطيني” سورياً

لا يمكن تعميم موقف واحد على الفلسطينيين تجاه الثورة السوريّة. لا يمكن أن يقول أحدهم بأنّ الفلسطينيين مؤيّدون للنظام السوري بمعظمهم، وإن سئل عن فلسطينيي سوريا يقول بأنّ هؤلاء “فلسطينيون سوريون”، وهذا خطأ بحقّهم وحقّ باقي الفلسطينيين.

لأنّنا لا نستحق ألا تُغطّى التماثيل عن أعيننا

الأسوأ في كل المسألة أن روحاني لم يطلب تغطية التماثيل. كارهو الرئيس الإيراني في بلادنا كثر، والتلقّي الأوّل لخبر حجب التماثيل من قبل معظمنا، كعرب تأذوا بشكل شخصي أو وطني من الدولة الإيرانية، كان السخرية من روحاني “المتخلّف” الذي أجبر إدارة متحف الكابيتوليني على تغطية التماثيل، مستقوياً بالعقود التجارية التي أتى بها من إيران والبالغة 17 مليار يورو.

الأخلاق كموقف سياسي، وليس العكس

حين تسبق السياسةُ الأخلاق، تتقدّم عليها، تصير الأخيرة مهزلة، تصير حذاءاً، وغالباً ما يكون مهترئاً لكثرة الاستعمال في حالات مماثلة، تصير حذاءاً يدعس على بركٍ من الوحل لتصل القدم المرتدية له والمحتمية به، والقدم هنا هي السياسة، لتصل إلى غايتها دون أن يمسّها شيء من نجاسة المدعوس عليها.

عن بؤس فيلم «رسائل من اليرموك»

لطالما تأذّت قضايا عادلة من أعمال فنّية حاولتْ نقلها، أو أقول انتقلت بها إلى الجمهور المتلقّي، أي أن العمل الفني، ليكن فيلماً، انتقل بواسطة القضيّة، أي ركبَ عليها، ليصل إلى جمهور، ويصل صاحب العمل إلى مدن ومهرجانات باسم الفيلم لا كعمل فنّي، فلا قيمة فنّية تكون للفيلم، بل كناقلٍ للقضيّة راكبٍ بكلّ ثقله عليها، ويصل الفيلم، كرمى لها، إلى ما يصله من احتفاءات.

سوخوي روسي لداعش في هولندا

كان النّهار الأوّل لي بعد زيارة لأسبوع إلى بيروت، النّهار الأوّل في أوروبا حيث مررت بأقرباء لي في هولندا قبل إكمال طريقي إلى فرنسا، كحال جميع السوريين المشتّتين بين ألوف النّقاط، غير المسمّاة، الظاهرة على خريطة أوروبا. من النّهار الأوّل سمعت كلمة داعش، دون أن أسأل أو يأتي أحدنا على سيرتها. مرّ بنا جارٌ هولندي وحادثنا وعرف أنّي قادم في زيارة قصيرة فسألني مباشرة عن أهلي في سوريا، منسّقاً في رأسه افتراضات مسبقة يبني عليها أسئلته وتعليقاته التي لم يبدُ أنّه أراد بها غير إظهار تعاطفه.

لأنّ غزة همّ محليّ

أوّل ما حاولتْه إسرائيل منذ النكبة، واستمرّت عليه وكان أولويّة دائمة، حتى اليوم، هو نزع الهوية الوطنية الجامعة لكافة الفلسطينيين عنهم وتحويلهم لمجموعات سكّانية في مناطقة منفصلة عن بعضها، لكل منها همومها «المحلّية» المعزولة تماماً عن الهم الوطني، أو عن هموم باقي المجموعات، فلا يوجد بذلك هم وطني واحد لجميع الفلسطينيين.

المنفى وتأسيس الوطن/الفكرة

قد يكون المنفى ضرورةً لبناء وطن انطلاقاً من الفكرة، لا الدولة. تعمد الديكتاتوريات على الخلط في أذهان الناس بين الوطن والدولة، ما سيصير مع مرور الزمن (أربعون عاماً في الحالة السوريّة) بديهيّة في الذهن الجمعي لمواطني هذه الدولة، الأصحاب الفعليين للوطن. لكن المقابل لهذه الفكرة، بالتزامن، هو المنفى، واللاحق لها زمنياً هو الوطنّ المنفصل عن دولة الديكتاتور، هو الوطن الذي تمّ تشكيله، أو بناء فكرته، في المنفى. لذلك يمكن لهذا المنفى أن يكون مرحلةً ضروريّة لأصحاب الوطن، أفراداً وجماعات، لتأسيس الفكرة/الوطن، خارج الحدود الجغرافيّة لدولة الديكتاتور، ما ستصير لاحقاً الوطن/الدولة. أي الدولة في أكثر حالاتها قرباً من الفكرة التي تشكّلت في المنفى، دولة المواطنين حين يكون هؤلاء، فعلاً، أصحاب الوطن.

ستالين في دمشق

في كثير من أنظمة الحكم التي تقودها أحزاب، لطالما تقصّد الحزب إدماج بنيته بالدولة ومؤسساتها، ليتحوّل الحزب الحاكم تدريجياً إلى الشمولية، إلى إرجاع كل ما للدولة إلى النظام، وكل ما للنظام إلى الحزب، وبالتالي يتم اختصار الدولة بالحزب الحاكم. وهذا الإرجاع والاختصار والاستحواذ يشمل البنى الفوقية والتحتية التي تقوم عليها الدولة. فحتى معنوياً، صار إسقاط نظام حكم ما مُروّجاً له على أنه إسقاط للدولة، وإن كان ثمّة من يُلام هنا فهو النظام الذي استحوذ على الدولة وبُناها.

جريمة شارلي إبدو، المسؤوليات والنتائج والمحرّضات والحقوق

لنبدأ من أولى النتائج المباشرة للجريمة المرتكبة في مكاتب «شارلي إبدو». الجريدة الساخرة كانت قبل السابع من يناير تطبع ستين ألف نسخة أسبوعياً، أما عددها الأخير الذي صدر الأربعاء الماضي، وهو عددها الأوّل بعد الجريمة، وسيكون عددها الأوّل في مرحلة جديدة ستعيشها الجريدة، مرحلة من الانتشار والربح والشهرة لم تكن تحلم بها جريدة من الدرجة الثانية تعتمد الاستفزاز والمغالاة في «المساس» بالآخرين، دينياً وسياسياً، لفتاً للأنظار. هذه الجريدة طبعت خمس ملايين نسخة من عددها الأخير الذي تمت ترجمته إلى ست عشرة لغة موزّعة حول العالم تساعد في نشرها صحف عدّة خارج فرنسا.

الاعترافات البرلمانية الأوروبية بالدولة الفلسطينية وتأثيرها على المقاومة الشعبيّة

رمزيّة، هو التوصيف الأفضل لاعتراف برلمانات أوروبية بالدولة الفلسطينية، لكن ما الذي يمكن أن يضيفه هذا الاعتراف الرّمزي بامتياز على مسيرة الكفاح الفلسطيني، كفاح شعب ضد احتلال هو الأطول في تاريخ الشعوب المعاصر؟

«حبيبي بيستناني عند البحر»، أحلام فلسطينية متناثرة في وثائقي عن الأوجاع والأمنيات

 «حبيبي بيستناني عند البحر»، اللهجة التي ترنّ في عنوان الفيلم، وتحديداً كلمة «بيستناني» الفلسطينية بامتياز، والعفوية التي يشي بها العنوان، يناسبان طبيعة الفيلم الوثائقي للمخرجة الفلسطينية ميس دروزة، يناسبان أولاً التلقائية التي نسمع فيها أحاديث لفلسطينيين في الفيلم، وثانياً سيرَ الفيلم الذي ينتهي عند البحر حيث ينتظر الحبيب حبيبته (الحلم وتحقيقه)، عند البحر حيث بدأ الفيلم، وقبل بدئه حيث حلّت فكرته، من غرق الفنان الفلسطيني حسن حوراني، ثم ينتهي الفيلم أخيراً على بحر عكا مع أولاد يقفزون أمتاراً عالية إلى بحرهم.

نقرٌ على الثقافة الفلسطينية في سياق سوري

«امتازت» حياة الفرد الفلسطيني بمأساة شعبه الجمعية، إضافة لما جرّته من مآسي خاصة لكلٍ منها ما «يميّزها»، وكردّ فعلِ أي شعب على مسبب مآسيه (وهو هنا الاحتلال) شهدت هذه الحياة انتفاضات وثورات وأفعال مقاومة شتّى، فتشكّلت (من هذه وتلك) هويّة أمميّة له هي أقرب لمفاهيم الحرية والتحرير والتضامن الأممي وغيرها، جعل هذا للفلسطيني امتيازاً، واحتفاءً مسبقاً به، ضمن المجتمعات المتضامنة، وصار الفلسطينيون أحد الممثِّلين لهذه المفاهيم أينما حلوا.

«داعش» الجديدة لغوياً، ليست كذلك ثقافياً.. عن مسوّغات التطرف لدى التنظيم في المجتمعات الإسلامية

أذكر أني كتبت مرّة  أنه لم يعد هنالك حاجة لوضع كلمة «داعش» بين قوسين في المقالات، فالكلمة دخلت معجمنا اليومي بسرعة مريعة، صار لـ «داعش» مدلولاً واحداً واضحاً محدّداً وصارت من أكثر الكلماتأ تداولاً في الصحافة والإعلام، وتحديداً مواقع الإعلام الاجتماعي. هذه مصيبة بحدّ ذاتها، لأن اقتحام الكلمة للغتنا اليومية كان سلساً، ولأنّه أتى من اقتحام التنظيم، الذي تدلّ عليه، لحياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية بما يحمله ذلك من مصائب سياسية واجتماعية وثقافية، كذلك.

اللغة الجديدة التي أكسبتنا إياها غزّة هذا الصيف.. عن ثنائية الضحية/المقاومة، والتضامن الأممي

كانت اللغة من بين ما غيّرته الحرب في غزّة هذا الصيّف. اللغة التي يَفهم العالمُ بها القضية الفلسطينية ويبني تضامنه على أساسها، واللغة هذه بوجهَين يُكملان الصورة إنما يختلف حضور كل منهما إذ لطالما طغى توصيف «الضحية» على شعبنا، على توصيف «المقاوم».

كراسات ماركسية: مشروع سلامة كيلة لفهم، لا تلقين، الماركسية

 أول ما قد يتبادر للذهن إن عرفنا أن هنالك مشروعاً باسم «كراسات ماركسية» سيعيد نشر نصوص كلاسيكية للماركسية، هو السؤال عن آنيّتها وربطها بحال الثورات التي تعيشها عدة بلاد عربية، بالإمعان أكثر في سؤالنا سنربطها بطبيعة استجابة مجمل الحركة اليسارية العربية لحال هذه الثورات، وهذا سؤال سياسي بمعناه المباشر.

سنصل لانتفاضة تمرّ، أولاً، على السلطة.. عن الهبّة الفلسطينية والدور الوظيفي للسلطة في وجهها

 ليست الهبّة المندلعة هذه الأيام في فلسطين بخارجة عن السياق الذي تمر به القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، حيث حصلت عدّة اشتباكات بين فلسطينيين وجنود إسرائيليين في أكثر من بقعة، إضافة إلى أن الاعتداءات الإسرائيلية لم تنقطع، فقط تواترت شدّتها بين وقت وآخر.

كتابات السجن، ترجمة عربية لرسائل نينو غرامشي إلى أمّه

بالحديث عن الترجمات في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، يمكن القول أن الأدب يطغى على الترجمات التي تسعى دور النشر العربية إلى طبعها لبيعها، والسبب غالباً في الربحيّة النسبية لـ «بيعها» هذه، وإن أردنا التفصيل أكثر في ذلك لأشرنا إلى طغيان الرواية على غيرها من الأجناس الأدبية.

مكاسب الثقافة وخسائر السياسة في ذكرى النكبة.. عن البديل الثقافي والأخلاقي للسياسة

في معاندة لا بدّ منها لواقع الفلسطيني، واقع كانت نكبته عام ١٩٤٨ البداية الرسمية لها، فكانت أساساً لكل مآسي الفلسطيني المستمرة منذ احتلت إسرائيل بلادنا وجمّعت عصاباتها وأعلنت دولتها عليها. إلا أن معاندة شعب أراد الحياة تأبى إلا أن تستخرج من هذه المآسي ما يمكن اعتبارها «انتصارات صغيرة» في سياق الهزيمة الكبرى المستمرة حتى تحرير البلاد من محتلّها وعودة اللاجئين إلى بيوتهم وحقولهم في مدنهم وقراهم. وأي مقاربة لأي انتصارات صغيرة ستبعد حتماً عن المجال والعمل السياسي المباشر، فسياسياً لم يصل الفلسطينيون في مسيرتهم النضالية حتى يومنا هذا إلا إلى هزائم صغيرة قد لا تكون وظيفتها غير التذكير الدائم بهزيمتنا الأكبر ونكبتنا، فقدان الوطن. ومنذ خمدت الثورة الفلسطينية المعاصرة في ثمانينيات القرن الماضي، ومنذ خمدت بعدها انتفاضة الحجارة بتوقيع اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣ يمكن القول أن الفلسطيني لم يصل لتحقيق أي انتصار سياسي صغير يمكن به استحضار بعض الأمل في مكاسب سياسية محتملة. لكن في السياسة، الأقوى هو الذي سيكسب في النهاية، الأقوى عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.. فكانت مسيرتنا السياسية بالمجمل تراكمات لخسائر. في حال كهذه، وسعياً لإيجاد بعض المكاسب، لا بدّ من الانتقال إلى …

لا مذكّرات لي عن بلدي. اللجوء والحنين والذاكرة القادمة واليوميّات

كيف يمكن لمن هو في حالتي أن تكون له ذكريات يرويها أو مذكّرات يكتبها تحكي عمّا يفصله عنه حقائق المكان والزمان. المكان هو أساس المذكّرات هنا، وكل علاقتي كلاجئ ابن لاجئ ابن لاجئ، بالمكان الفلسطيني هو ما ورثته عن جدّي الذي ترك مرغَماً ومطارَداً ترشيحا، البلدة الدالة على مفهوم «فلسطين» بكلّيته. وهو ما يتشاركه جميع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والشتات، واعين لذلك أم غير واعين، ففلسطين عند ابن حيفا هي حيفا وما دونها امتدادات لفكرة الوطن، وكذلك الأمر عند ابن الكابري والطيرة وكل القرى والمدن التي نقلها أبناؤها معهم إلى المخيمات خارج الوطن، ولعلّ النقل المكاني للاجئين هذا هو ما جعل في كل من هذه الأمكنة داخل كل مخيم، فلسطين مكتملة بذاتها عند كل فرد لاجئ.