1, الأولى
اكتب تعليقُا

لائحة “أعظم 100 فيلم في التاريخ”… 10 ترشيحات

كل عشرة أعوام، ومنذ 1952، تجري مجلة “سايت & ستاوند” البريطانية استفتاءً لأعظم 100 فيلم في التاريخ. المجلة التي تصدرها مؤسسة الفيلم البريطاني (BFI) راكمت موثوقية جعلت من استفتائها أقرب في طبيعته للمعجم أو الدليل الموضوعي للأفلام الأفضل، وذلك بلامركزية في المستفتين وفي المستفتى عليه، بخلاف لوائح أخرى كان فيها حضور خاص لأفلام فرنسية في هذه وأمريكية في تلك.

ما كان يقال، في أن فيلم أورسون ويلز “المواطن كين” هو الأفضل في التاريخ، كان مأخوذاً من حقيقة تصدّر الفيلم لائحة هذه المجلة لنصف قرن، منذ 1962، بعدما تصدر اللائحة فيلم فيتوريو دي سيكا لعقد واحد، “سارقو البسكليت”. هو ما رسخ مكانة ويلز وفيلمه حتى العام 2012، في استفتاء كان الأكبر للمجلة، لشموله 846 ناقداً ومبرمجاً من العالم، منحّياً ويلز ثانياً ليتصدّر ألفرد هيتشكوك اللائحة بفيلمه “فيرتيغو” (1958)، وذلك لكونه الأكثر ذكراً وتحصيلاً للنقاط لدى المستفتين. هو ما منح هيتشكوك وفيلمه مكانة معزَّزة في العقد الأخير، ما يمكن أن يبقى أو يتغير أو يعود إلى مركزه الثاني ليستعيد ويلز مكانه. وقد كان “فيرتيغو” في مركزه الثاني لعقد واحد فقط، بعد أن تجوّل ضمن العشرة الأوائل لعقدين وقد كان خارج العشرة ما قبلهما.

أما المراكز الثانية فكانت من الأقدم: “أضواء المدينة” (1931) لتشارلي تشابلن، “المغامرة” لمايكلأنجلو أنطونيوني، “قواعد اللعبة” (1939) لجان رينوار وبقي لثلاثة عقود. تغيرت الذائقة وتغير الإدراك على طول هذه السنين، ومرجعية المستفتين تختلف من عقد لآخر، أو تزيد تنوّعاً ولامركزية، كما كان استفتاء العقد الماضي، وكما يمكن أن يكونه الاستفتاء القادم، هذا العام، وقد شاركتُ فيه بدعوة من المجلة، مرسلاً ترشيحاتي قبل أيام. لكن تبقى المراكز العشرة الأولى بأغلبية غربية، أوروبية وأمريكية، ما أثّرت، لطبيعتها التراكمية زمانياً، على الذوق والإدراك العامّين لدى النقاد والمهتمين بالسينما العالمية.

كالكثيرين، كان لهذه اللائحة الممتدة لسبعين عاماً، اليوم، مفعول المعجم في تعريفٍ يبدو حيادياً وموضوعياً نسبياً في تقديم الأفلام العشرة الأفضل. لا معايير محددة هنا، فلكل مستفتٍ معاييره وترشيحاته الشخصية، لكن تأثيراً متراكماً كان لهذه اللائحة -وغيرها التي مهما انزاحت تبقى، نوعاً ما، تحوم حولها في العناوين الأولى- على عموم الذوق والرأي النقدي في ما تكونه الأفلام الأفضل، كأنها نماذج تتكرس في أمكنتها مع كل عقد. هو ما لم تنفذ منه ترشيحاتي بعد الاطلاع عليها، من بعيد. لكن ما سهّل المهمّة في الترشيح كان اختيار عشرة أفلام للمجلة، دون ترتيب لها. لم أكن، إذن، مضطراً للمفاضلة بينها وبين بعضها، لكنها، في النهاية، لم تجنح عما كرّسته المجلة على طول 70 عاماً. اخترت العشرة الأفضل، مع تشكك دائم في ما تعنيه “الأفضل” هذه أو “الأعظم”.

حاولت تقصد تحييد تأثير اللائحة التاريخية، ووضع أفلام أخرى أراها من بين الأفضل، بجوار ما رشّحتُه، أفلام لم تكن وقد لا تكون يوماً من بين المئة، فوجدتُني أختار ما رشحتُه. كأنّ المجلة واللائحة وآراء النقاد والاحتفاء بأفلام اللائحة وتناسخها ثم نمذجتها نقدياً، كأن كل ذلك صنع الذائقة الذاتية لكل منّا، وقارب، كي لا أقول ماهى، ما بينها وبين ما يمكن مجازاً إطلاق توصيف “الموضوعي” عليه. وهو ما يشكك في كل حديث عن تمام موضوعية أي لائحة لأفضل أي شيء. الاختيارات التي قمت بها، كانت، أخيراً، ذاتية تماماً، بإدراك لتأثير كل ما ذكرته أعلاه، في تشكيله، فلا أستطيع مقاومة مشاهدة أي من الأفلام العشرة التالية للمرة -لنقل- العاشرة، مع استصعاب مشاهدة آخر أراه عظيماً، لمرة ثالثة أو رابعة.

الترشيحات العشرة

الأفلام المرشَّحة، ودون ترتيب، خطر لي أن أبدأها بفيلم “بيرسونا” (1966) للسويدي إنغمار بيرغمان، قد يكون الفيلمُ أول ما خطر لي للجانب السردي الحكائي فيه والمبني على الكلام قبل الصور، ما أعطى الفيلم جانباً أدبياً أصيلاً يصنع الصورة المتخيَّلة بالكلام، لا العكس كما هو حال السينما المبنية على الصور بالدرجة لأولى، ثم الصوت وهذا يكون كلاماً وتأثيرات وموسيقى. لكن لا قيمة إضافية له عندي تزيد عن التسعة الباقين، سوى أنه أحدثها وأشدها ثوريةً. للفيلم رقم 17 في اللائحة الأخيرة.

فيلم الإيطالي مايكلانجلو أنطونيوني “المغامرة” (1960)، كان، بخلاف سابقه، بحد ذاته تكريماً للصورة والإطار السينمائيين، لجماليات اللقطة غير المكترثة بالحوارات العادية، وهذه ميزة أنطونيوني في عدة أفلام قد يكون فيلمه هذا في قمّتها. للفيلم رقم 21 في اللائحة.

فيلم آخر إن كان لا بد من اختيار واحد من بين العشرة، لمشاهدة وإعادة المشاهدة دون حساب، فهو فيلم الياباني ياسوجيرو أوزو “قصة طوكيو” (1953). الفيلم حالة نفسية متخطية للصورة المتحركة بروية، وللحوارات الهادئة في لفظها ومعناها. هي حالة تتخطى الجانب التقني في الفيلم إلى نفسيات شخصياته المتعدية إلى متلقيها. في الفيلم سكينة لا يمكن إلا أن تصيب مُشاهدها. للفيلم رقم 3 في اللائحة وأراه أشد استحقاقاً لقمتها في فيلمَي ويلز وهيتشكوك، وهذا الأخير أجدر به الخروج من بين العشرة الأوائل.

إضافة فكرية وتقنية وتاريخية للائحة تكون بفيلم السوفييتي دزيغا فيرتوف “رجل بكاميرا سينمائية” (1929). هو الوثائقي الوحيد في ترشيحاتي لكنه مؤسس لفن السينما بنوعيه الروائي والوثائقي، وهو نموذج نظري وتطبيقي وريادي في صناعة الفيلم، في فهم الصورة وحقيقية ما تنقله، وفي وعي المونتاج ضمن هذه الصور وتَتابعها. له رقم 8 في اللائحة الأخيرة وهو الأول في نوعه الوثائقي.

ما يمكن أن أقوله عن أي من هذه الأفلام، بأنه مرشح قبل غيره ليكون رقم 1، أقوله بكل أريحية لهذا الفيلم، “سارقو البسكليت” (1948) للإيطالي فيتوريو دي سيكا. فالمقاربة الإنسانية الأنقى التي يمكن أن تتركز في فيلم، سيكونه هذا، الفيلم المكتمل بذاته، والمؤسس مع غيره لتيار لم تختفِ آثاره في سينما العالم حتى اليوم، “الواقعية الجديدة” الإيطالية. للفيلم رقم 3 في اللائحة الحالية.

لا يمكن لأي لائحة أفلام، في العشرة الأوائل، أن لا تذكر فيلم الإيطالي فيدريكو فليني “ثمانية ونصف” (1963)، وله رقم 10 في اللائحة الحالية للمجلة. يمكن لأحدنا أن يشكك في تطور الأذواق والمعارف والآراء للمستفتين لو خرج الفيلم من أول عشرة. هو لا يكتفي بذاته كتحفة فنية، بل في كونه علامة فاصلة في تاريخ السينما، لما يمكن أن يأتي بعده، وما كان قبله، في نقل السينما صناعةً ومفهوماً إلى مرحلة ما بعد التيارات الجماعية، وبدخول إلى ذاتية السينمائي كصانع للفيلم وكمنتَج عنه. كشخصية أمام الكاميرا بقدر ما هي خلفها.

فيلم واحد من بين هذه كلها (وأشعر بالحرج أن لا مكان هنا لتشارلي تشابلن ولا بستر كيتن) يمكن القول إنه مبتدأ السينما ومنطلقها بالشكل الذي واصلت عليه إلى يومنا (لذلك ربما لم أذكر كيتن وتشابلن)، هو “المواطن كين” (1941) لأورسون ويلز. فيلم نموذجي يكتفي المرء بدراسته، في سينماتوغرافيا الفيلم وفي سرديته، للتعرف إلى عناصر ومكوّنات الفيلم العظيم في العالم. للفيلم رقم 2 في اللائحة، وواحد من أخطاء التاريخ أن يبدل أمكنتةً مع فيلم هيتشكوك.

كل ما ذكر أعلاه، إن أمكن اختصاره بعبارتين أو ثلاث، وإن كان لا بد أن تشير إلى فيلم واحد، سيكون “المدرعة بوتمكن” (1925) للسوفييتي سيرغي آيزنشتاين. هو مؤسس، ومؤثر، ونموذجي. هو درس متكامل في السينما. له فضل، بشكل أو بآخر، على كل، أو معظم، ما تلاه من الأفلام العظيمة. له الرقم 11 في اللائحة.

من بين كل هؤلاء المخرجين، أصغرهم هو أفضلهم في الحديث عن عموم المنجز السينمائي لأي منهم، وهو الوحيد الحي من بينهم، الاستثنائي في مساهمته الفيلموغرافية في تاريخ السينما. في لائحة لأفضل سينمائي في التاريخ، على رأس اللائحة سنجد جان لوك غودار، بمنجزه العظيم كمياً وفي نوعيات هذا الكم. أما أفضل أفلامه، وذلك ما يصعب تحديده، فهو “احتقار” (1963). هو الوحيد الملون من بين هذه الترشيحات، وهو، بالتالي، أفضل أوّل الأفلام في تاريخ السينما، في استخدام اللون كنعصر جمالي وسردي، وهو ما  افتقدته باقي الأفلام هنا. له الرقم 21 في اللائحة.

هذه كانت تسعة. هي أعظم تسعة أفلام في تاريخ السينما بالنسبة لي، وجميعها بعيدة زمانياً عن يومنا، قد يحذر أحدنا من تسمية أفلام حديثة نسبياً ضمن الأفضل في التاريخ، فمكانة الأفلام في ذلك تصعد أو تنزل ثم تستقر نسبياً مع الزمن. لكني اخترت لنفسي فيلماً لا أراه من بين العشرة أو العشرين أو أكثر، اخترته محاولاً دفع فيلمٍ أو المساهمة في ما يمكن، بصدفة ما، أن يُدخل فيلماً أريده من بين المئة المذكورين، فالأفلام تدخل لائحة المئة بالنّقاط. لم أفكّر طويلاً لأقرر أن فيلم الفلسطيني إيليا سليمان، صاحب التجربة المعاصرة الاستثنائية عالمياً وليس عرباً حسب، هو “الزمن الباقي” (2009)، أنه الأفضل بالنسبة لي، فلسطينياً وعربياً وجنوبياً. لكن الفيلم لم ينل إتاحة واحتفاءً وتناولاً نقدياً كما ناله سابقه “يد إلهية” (2002)، فاخترت الأخير لاحتمالٍ أكبر في تشارك نقّاد ومبرمجين آخرين في ذكره فيدخل لائحة المئة.

باختياري هذا، وله اعتباراته الشخصية، أتخطى النظرة العامة الحيادية لما تكونه أعظم عشرة أفلام، أو مئة، في التاريخ، وأعطي مساحة تامة لذاتية الاختيار. كأنه نوع من اقتحام اللائحة المكرَّسة ومساهمة ممكنة في تغيير في ما تراكم وتثبت عبر العقود السبعة الأخيرة ولوائحها في المجلة.

أيٌّ من فيلمَي سليمان أقرب إلي من كل المذكور هنا، ولا ضرورة، لهذا القرب، في أن يكون أفضلها، لا يُطاَلب بذلك، أساساً.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وناقد فلسطيني، باريس. محرّر "رمّان الثقافية". يكتب المقال السينمائي في "القدس العربي". يعد ويقدم النشرة الثقافية في "مونت كارلو ". آخر كتبه الروايات: «عين الديك» (٢٠٢٢، هاشيت أنطوان/نوفل)، و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفّورية».

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.