1, الأولى
اكتب تعليقُا

«طنطورة» لألون شوارتس… الفولكلور مقابل التاريخ

في فيلم الإسرائيلي ألون شوارتس الوثائقي، «طنطورة» (٢٠٢٢)، المبني على بحوث وتسجيلات ومقابلات، يقول أحدهم إنه “لا يصدّق الشهود”، أيّ شهود، وإن “كلامهم صالح للفولكلور وليس للتاريخ”. هنا، الفارق ما بين الفولكلور والتاريخ، هو ما يمكن أن يلخّص التناقض ما بين السرديتين الفلسطينية والإسرائيلية، وهو ما يحاول هذا الوثائقي الخوض فيه، في تقابل التاريخ مع الفولكلور. فالأول يكتبه المنتصر والثاني يحكيه المهزوم، الأول مدوَّن والثاني شفهي.

يقولها منتشياً بعِلميّته التي لا تسمح له بتصديق أي كلام “يقوله أبله” – كما يقول- يخلط فيه بين الخيال والاختلاق. يقولها رافضاً شهادات وبحوث حول المجزرة التي ارتكبتها كتيبة في لواء ألكسندروني في أيار ١٩٤٨، في قرية الطنطورة الساحلية، وبعد احتلالها والسيطرة عليها وعلى من لم يُهجّر من أهلها. يقولها المنتشي، من موقع أصحاب الطلقات الأخيرة وفي نفيٍ لما لم يتبقَّ للضحايا والناجين سواه، أي الحكي والكلام والشهادة وتوريثه عبر أجيال ليصير فولكلوراً ينقضُ التاريخ المكتوب.

الفيلم مبني على رسالة ماجستير لتيدي كاتس مبنية على شهادات لجنود في الكتيبة المذكورة، ويشمل مقابلات مع معادين للصهيونية أبرزهم إيلان بابيه. أحد المقابَلين، هيلل كوهين، قال منتقداً، إن أياً من الشعوب لا تدين نفسها، إن أياً من المنتصرين لا يقول إنّنا ارتكبنا مجازر هنا وهناك. سيكبر التلاميذ إذن على حقائق “تاريخية” موازية وغير متقاطعة مع ذاكرة متراكمة صار لها سمة الفولكلور، يتداولها جيران لهم هم ضحاياهم، أصحاب البلاد الأصليين، من لم يسمح لهم التاريخ ذاته بتسجيل حكاياتهم وتدريسها وتناقلها بصفتها تاريخاً. بصفتها رواية الضحية للتاريخ عينه، على الأقل.

الفولكلور يأتي من الدواخل، التاريخ من الخوارج. الفولكلور هو الكلام، التاريخ هو التدوين، الأول هو تاريخٌ لم تملك الضحايا سوى أن يكون شفوياً (الخمسينيات في حالة الفلسطينيين) فصانه الكلام وتوارثته الشهادات. الأخير هو تدوين مقصود ومدروس ومهندَس، هو رواية مع سبق الإصرار والترصد، تأتي بقرارات عليا، تطمح، أخيراً، إلى حالة الفولكلور المعنوية ذات العمق الممتد لعقود، في البلاد ولدى أجيالها. التاريخ يكتبه فرد عن آخرين، باحث أو ضابط لا فرق هنا، الفولكلور عاشه أصحابه وعايشوه، يحكون ما رأوه وما سمعوه ممن رأوه، وهؤلاء ضحايا لا يحرصون على هوامش توضيحية وتفصيلية للإقناع.

«طنطورة» انحاز إلى الفولكلور، وهذه المفردة تكون غير محبَّبة أو تُقال للذم، كما وردت فيه، لكنها، في سياقات وتعريقات قائلها تتخذ لنفسها المعنى النقيض، السردية النقيضة، الذاكرة المقاوِمة، كأن يكون الفولكلور، في بلاد مستعمَرة ومعرّضة منذ عقود لمصادرة ثقافتها، بل لمحوها إن تعذّر سلبها، عنصراً للثبات وضرورةً لنفي التاريخ الحديث لدولةِ صناعة الأسلحة الثقيلة والتكنولوجيا الدقيقة. انحاز الوثائقي إلى شهادات الضحايا، متوسلاً شهادات سفّاحي الضحايا الفخورين بتاريخم المسجَّل. هنا تتقاطع القصص، ذاكرة الضحية بصفتها ناجية محلّية، وذاكرة سفّاحها بصفته بطلاً قومياً.

حمل الوثائقي مجزرة الطنطورة التي قُتل فيها وتهجّر منها المئات، برواياتٍ من جوانب مختلفة، إلى ساحة التاريخ المبني على شهادات مرفقة بدراسات وتحليلات لصور جوية، ليقول، الوثائقي، إن مجزرة كانت هناك، حيث يذهب الإسرائيليون للاستجمام على شاطئ القرية/المجزرة، وسياراتهم مركونة، تحديداً، فوق تلة من العظام والركام. وقدّم الوثائقي للفولكلور، للتاريخ الشفوي المتوارَث، وثيقةً لا تنفي عن الفولكلور عشوائة الكلام الصادق ولامبالاة الشهادة الحية ولا النقل التلقائي لما تراه الضحية إلى ما تحكيه، دون اكتراث بموافقة ذلك مع التاريخ المدبَّر والمكتوب لدولة الاحتلال. هي وثيقة لا تنفي عن الفولكلور معناه الطازج منذ عام النكبة، المعنى الممتد كما هي النكبة ممتدة، مضيفةً إليه حقائق فلتوصَف بالعلمية، بالواقعية، وضمن مقاربة أكاديمية، أو مهما يكن، تحمل الروايات الشفهية للضحايا إلى نقاشات باردة، لكن ضرورية، تجادل آخرين لا يرون في الفولكلور سوى أمنيات، كأن في المجازر ما يستدعي التمنّي، تجادلهم في تاريخهم المبني بكومة من أوامر قيادات توعز بإخفاء أثر المجزرة، كما يوثّق الوثائقي.

قد لا يعني «طنطورة» وما توصل إلى إثباته في حصول المجزرة بأدلة توسّلت الشهادات وتوسعت منها إلى تحليلات للمواقع، قد لا يعني كل ذلك الضحايا والناجين المدركين والمتيقّنين مما حصل، فليست لعبة الإثباتات ولا بلاغة ولغو قاعات المحاكم ودهاء استعراضاتها، في محاكم الاحتلال ذاته، ولا الأدلة الجنائية والاستنتاجات المنطقية، كلها ليست في وارد ما شهده الضحايا وتوارثوه، فالذكريات كذلك تورَّث، والكلام يُورَّث، بمفرداته ونبراته، وفي حالة الضحية يكون الكلام والذكريات أغلى الموروثات وأشدها استدعاء للاعتناء والصَّون، وأعمقها في صدقيّته. أمّا التاريخ المسجَّل والمدرَّس، لمرتكب المجزرة، وأمّا ضرورته في تحويل المقبرة الجماعية إلى موقف سيارات، والقرية المنكوبة إلى منتجع ومنتزه، فهذا ما صار، ويترسّخ في حالته، فولكوراً مخزياً لدولة إسرائيل الطامحة إلى سردية مصنَّعة مبنية على تاريخ مسجَّل يكون نقيضاً لفولكلور الضحية المبني على شهود وشهادات.

الفولكلور أرقى من التاريخ، كما أن كلام الضحية أصدق من كتابة سفّاحها.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وناقد فلسطيني، باريس. محرّر "رمّان الثقافية". يكتب المقال السينمائي في "القدس العربي". يعد ويقدم النشرة الثقافية في "مونت كارلو ". آخر كتبه الروايات: «عين الديك» (٢٠٢٢، هاشيت أنطوان/نوفل)، و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفّورية».

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.