1, الأولى
اكتب تعليقُا

“ماغنوليا” لبول توماس أندرسون … نموذج الأعمال الأولى

لا تعني التراكمات في عمل السينمائي، بالضرورة، مساراً خطياً وواضحاً تجاه أعمال أنضج وأفضل. كثيراً ما تكون هذه الأعمال أقوى من غيرها للسبب ذاته، وهو انخفاض من منسوب النضج، مقابل ارتفاع في أساسات أخرى للفيلم كالاكتشافية والتمردية على القواعد الموضوعة مسبقاً في صناعة الفيلم، وهو ما يتحول لاحقاً، بأعمال جماعية متراصة، إلى تيار سينمائي كاسر للقوالب والتقاليد المتكرّسة.

كي لا نبتعد عن الفيلم موضوع هذه المقالة، وهو للأمريكي بول توماس أندرسون، نبقى في المثال الأمريكي، وتحديداً مع الأبرز في أي حديث عن الفيلم الأول الأفضل أو الأفلام الأولى الأفضل من لاحقاتها، وهو أورسون ويلز، وفي فيلمه الأول “المواطن كين” عام 1941، وقد بدأ مستوى أفلامه بالنزول من بعده. لا في ذلك أي قاعدة، فأندرسون بذاته استثناء عن أي تصنيف.

لنضع ثلاثة تصنيفات في ذلك سيكون أندرسون مستقلاً نسبياً عنها. الأمثلة القريبة من ويلز تشمل مارتن سكورسيزي ووودي ألن وفرانسيس فورد كوبولا وآخرين، حيث الأعمال الأولى الأفضل. أمثلة أخرى في توازي مستويات الأفلام الأولى واللاحقة والأخيرة، وهو ما يعني استقراراً نسبياً فحتى في هذه الأمثلة كانت البدايات أقوى، يمكن أن تكون في أسماء منها ستانلي كوبريك وجون كازافيتس وجيم جارموش وديفيد لينش وآخرين. أمثلة لنوع ثالث في ارتفاع مستوى الأفلام مع تراكمها وتقدّم السينمائي في العمر والتجربة، نجدها لدى ألفرد هيتشكوك، وهو، بخلاف الأسماء أعلاه، تعامل مع السينما كتقنية لا كفن، ما سبب رتابة في عموم أفلامه إن صُفّت إلى بعضها، لتماثلها، وهو ما جعل التشويق في أحدها بمعزل الأخرى، عالياً.

فيلم هذه الأسطر، وهو من بواكير بول توماس أندرسون، ودائماً في المثال الأمريكي، مع غيره من أفلامه الأولى (Boogie Nights عام 1997، و Punch-drunk love عام 2002) جعل من صاحبها مثالاً صالحاً لأول مجموعة، لكن أفلاماً لاحقة له (There Will Be Blood عام 2007، و The Master عام 2012، وInherent Vice عام 2014) وضعته، بامتياز، في المجموعة الثانية. أما آخر فيلمين له (Phantom Thread عام 2017، وLicorice Pizza عام 2021) فلم يرجّحا تصنيفه ضمن الثالثة لتراجعهما نسبةً إلى أفلامه السابقة والمذكورة. هذه الجردة السريعة لأفلام أندرسن ببداية متفوّقة تراكمت خبرته فيها حتى وصلت قمّتها في منتصف مسيرته، تشير إلى خروجه عن أي من التصنيفات الثلاثة، وهو في ذلك قريب من آخرَ، مجايل له (كلاهما أصغر من الأسماء المكرّسة أعلاه) هو كوانتين تارانتينو الذي بدأ بأفلام عالية واستقر علوها إلى أن نزل المستوى في آخرها. لا قوانين في كل ذلك إنما انطباعات مدعومة بأمثلة. يُحسب لأندرسون استقراره في أفلام ما بعد بواكيره، وهذا تحدٍ لا يمر عنه الكثير من المخرجين الكبار.

هنالك ما يشبه الإجماع بريادية الأعمال الأولى لكبار السينمائيين، الأمثلة في ذلك تكثر، وعموم الشغل السينمائي الجيد لأندرسون يعيدنا، وبمناسبة فيلم جديد له لم يكن بالمستوى المتوقّع، إلى أفضل أعماله الأولى.

“ماغنوليا” (1999، Magnolia)

هو الفيلم الثالث لأندرسون، يحافظ فيه على التقنية والبنية والأجواء التي بدأت تميزه. كما يحافظ على نزعته إلى الإكثار من شخصياته، وعلى منحها، على كثرتها، مبررات أساسية لحضورها، دون أن تمنعه، هنا، هذه الكثرة من أن يقدم حالة نفسية مستقلة لكل من الشخصيات.

نشاهد حيوات متفرقة لا يجمعها غير صدف عبثية، والعبثية حاضرة في الفيلم من الحكاية إلى الشكل الذي يقرر فيه أندرسون إنهاء فيلمه، وقد بدأ بمقدمة ليست قصيرة أظهرت ما يمكن ترجمته بإمكانية تلاقي العبث مع الواقع بفعل الصدفة، فمصائر الشخصيات الأقرب للعبث ستصير، باقتراب الفيلم من نهايته، أكثر واقعية مع قليل من الصدف. من بين هذه الشخصيات طفل برامج المسابقات العبقري، ووالده العصبيّ، ورجل كان طفل مسابقات عبقري وصار غبياً، ومقدم البرنامج المصاب بالسرطان، ورجل يحتضر يرغب برؤية ابنه، وابنه العاق وهو رجل استعراض، وزوجته المكتئبة، وممرضة، وهنالك أم محبطة وهي زوجة مقدم البرامج، وكلاهما على علاقة متوتّرة بابنتهما، وهذه الأخيرة متعاطية للكوكايين، وهنالك رجل شرطة يحبّها، وغيرهم. يعيشون في مدينة واحدة وتجمعهم أخيراً  عبثية اختار أندرسون أن تكون على شكل ضفادع.

لأنّنا أمام قصص مختلفة تتقدم بشكل متواز، كان للمونتاج الدور الأساسي في نقل القصص، لكن أندرسون أعطى للمونتاج هذا وظيفة في تشكيل الوتيرة التي تجري بها أحداث الفيلم، وذلك بتقصير المَشاهد في فترات منه، تقصيرها والإكثار منها ومن القصص والشخصيات فيها. فحتى في مشاهد يتوقع أن تُشاهد ضمن انسياب واحد لا يحتمل التقطيع أو الانتقال إلى تفصيل آخر في الفيلم قبل الرجوع إليها، نجد أندرسون يخللها بمشاهد أخرى، يقطّعها كلها ويجمعها كورق اللعب فيعيش أحدنا فيها جميعها وقد تجمّعت من هنا وهناك، كالموزاييك، مترقباً ما سيحصل لا في مكان واحد بل في عدة أماكن ومع أكثر من شخصية، في الوقت ذاته. لذلك، فليس هنالك حكاية واحدة للفيلم، ليس هنالك حبكة واحدة بل عدة حبكات صغيرة تجتمع بشكل قريب من العبث لتشكل نهاية لفيلم يزيد عن ثلاث ساعات.

الفيلم المتوفر حالياً على منصتَي “أبّل تي في” و”كانال بلُس”، هو من بين ما يُعرف في الولايات المتحدة بالأفلام المستقلة، ومن كتابة وإخراج أندرسون الذي شارك كذلك في إنتاجه، ونال جوائز منها الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وناقد فلسطيني، باريس. محرّر "رمّان الثقافية". يكتب المقال السينمائي في "القدس العربي". يعد ويقدم النشرة الثقافية في "مونت كارلو ". آخر كتبه الروايات: «عين الديك» (٢٠٢٢، هاشيت أنطوان/نوفل)، و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفّورية».

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.