1, الأولى
اكتب تعليقُا

«متروبوليس» لفريتز لانغ… مرجعيةٌ لسينما الخيال العلمي

يُنظر إلى «متروبوليس» كمؤسس لسينما الخيال العلمي في العالم، وقد صدر عام ١٩٢٧، أي قبل قرن من الزمان إلا قليلاً. وهي سمة التصقت فيه وصار تكرارُها تلقائياً، لكن بمشاهدة جديدة له، بمعزل عن التصنيف المكرَّس والمتناقَل، يجد أحدنا أن جانب الخيال العلمي فيه قد بهت، أنّه فيلم كان قبل ١٠٠ عام خيالاً علمياً ليكون اليوم فيلماً واقعياً راهناً يصوّر المدينة كما يمكن أن تصورها أفلام حديثة وراهنة في سياقها.

ذلك ما يجعل جانباً آخر في الفيلم منفرداً في ما لا يتغير، مانحاً الفيلم بُعده الوحيد، وهو ما اتُّهم به آنذاك، الرسائل الشيوعية المبطنة، وهو ما يتواصل ويتجدد متخذاً أشكالاً قد تكون متفاوتة بين مجتمع وآخر، والحديث هو عن الصراع الطبقي ويمثّله في الفيلم حشود من العمّال من ناحية، ورئيس المدينة ومعاونوه من ناحية ثانية. هو ما نجده في حكايات شعبية تراثية في أكثر من ثقافة، ضارباً في بعده الزماني، وهو كذلك ما نجده في خبر أو تحليل نقرأه في صحيفة اليوم.

في ذلك، في تخلي الفيلم، بالتلقي الراهن له، عن خياليته العلمية، وفي تأكيده على اجتماعيته، في تصوير الصراع الطبقي، اتخذ الفيلم لذاته قراءة جديدة عابرة للأزمنة، والأمكنة والمجتمعات، فكانت، القراءة إنسانية بمعناها الأوّلي وليست دعائية. فلم تُعرَف عن مخرجه فريتز لانغ ميول شيوعية رسمية، ولم يُصنع الفيلم برعاية من حزب أو بلد شيوعيين، بل في ألمانيا المتدهورة، آنذاك، في نازيتها.

للفيلم، المعروض حالياً على نتفلكس، مكانة متقدمة في أي حديث عن أعظم الأفلام في تاريخ السينما، فهو من أقوى الأفلام الصامتة. وهو، إضافة إلى رسالته الاجتماعية المتقدمة عن غيره من الأفلام في زمانه، أوصل ما عُرف بالانطباعية الألمانية إلى آفاق جديدة، وهي إحدى أبكر تيارات السينما في العالم، ما جعل لانغ، (إضافة إلى فيلمه الآخر «M»، ١٩٣١) بمثابة الشيخ لصنّاع الأفلام اللاحقين، بشتى تياراتهم ولغاتهم وأساليبهم السينمائية. هو ما جعل سينمائياً متفرداً آخر مثل الفرنسي جان لوك غودار، يصوّر في أحد أهم أفلامه، «احتقار» (١٩٦٣)، لانغ ذاته، مؤدياً دور فريتز لانغ المخرج السينمائي، لنجد غودار ذاته يؤدي دور مساعد المخرج في المشهد الأخير من الفيلم.

للفيلم إدانة واضحة للرأسمالية، متنبئاً بما سيُعرف لاحقاً بالكساد الكبير، الذي عمّ العالم الرأسمالي، في أكبر أزمة اقتصادية له امتدت من ١٩٢٩ حتى ١٩٣٣. وقد انفجر العمّال في الفيلم متمردين على اضطهادهم. منتزعين حقوقهم إنّما لم يحطموا نمط علاقات الإنتاج لهذا النظام الاقتصادي، بل كان للانغ خيار سلمي وأقل صدامية، وذلك في تآلف العمّال مع الرئيس، في النهاية، وهو أساساً بفعل الحب الذي جمع أولاً بين ابنه وامرأة من بين العمّال، لها هيئة القديسة، والمحبة التي جمعت ثانياً بين العمال من خلال ممثلهم، وبين الرئيس، وقد أنهى لانغ فيلمه بعبارة تلخص رسالته الاجتماعية هذه، تقول “الوسيط بين الرأس واليد لا بد أن يكون القلب”. وهو ما كان ويبقى محطّ انتقادات على إنسانية سطحية وتصالحية قدّمها الفيلم حلاً لصراع تاريخي بين مضطهِد ومضطهَد.

جمع لانغ في فيلمه الأيقوني هذا، تنبؤاً خيال-علمياً متقدماً في ذلك عن كل المحاولات السينمائية، الأمريكية تحديداً، إلى حينه، مع واقعية ثورية أشبه بالسينما السوفييتية، وذلك في مضمونه، إلى جانب انطباعية بارزة في شكله، مطوّراً ما جاءت به السينما الألمانية إلى حينه، وهذا كلّه في سياق قصة حب بسيطة وساذجة يصلح أن تُحكى لأطفال عند نومهم. هذا الخلط، بانسجامه في نتيجته الأخيرة، هو ما يجعل للانغ، وفيلمه «متروبوليس» هذه المكانة الخاصة في تاريخ السينما في العالم.

قدّم الفيلم للسينما بعضاً من أكثر صورها أيقونية، وذلك في ناحيته الخيال-علمية، الأولى هي المرأة الآلية، الريبوت التي ستتحول إلى آدمية لتحرف العمّال عن مسارهم، والثانية هي المبنى العملاق، برج بابل، المحاط بمسارات كالجسور المعلقة. فأي إحالة إلى الفيلم يصعب أن تتخطى اللقطتين الأيقونيتين الحاملتين لما هو أعمق من مجرد شكل ديكوري أو عَماريّ، منغمساً في صراع اجتماعي (ما يذكّر بتحفة صامتة ثانية هي فيلم «إضراب»، ١٩٢٥، لسيرغي آيزنشتاين) تخترقه قصة حب رومانسية خرافية أقرب للريفية (ما يذكّر بتحفة صامتة ثالثة هي فيلم «إشراق»، ١٩٢٧، للألماني مورنو).

في فيلمه، Metropolis، جمع فريتز لانغ أكثر من عنصر ليصل بنا إلى تجربة سينمائية استثنائية، منذ صدر الفيلم إلى اليوم وهو يقترب من عامه المئة.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وناقد فلسطيني، باريس. محرّر "رمّان الثقافية". يكتب المقال السينمائي في "القدس العربي". يعد ويقدم النشرة الثقافية في "مونت كارلو ". آخر كتبه الروايات: «عين الديك» (٢٠٢٢، هاشيت أنطوان/نوفل)، و«سيناريو» و«تذكرتان إلى صفّورية».

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.