1, الأولى
اكتب تعليقُا

“قصص فلسطينية” في نتفلكس… ماذا لو كانت الاختيارات أفضل؟

أطلقت نتفلكس مجموعةً (غير صغيرة) من أفلام فلسطينية، الشهر الماضي، روائية ووثائقية، طويلة وقصيرة. لا يستطيع النّاظرُ إلى العناوين المختارة، تحاشي أسئلة غير جديدة، إنّما، بإتاحة هذه الأفلام عالمياً، تُستعاد هذه الأسئلة لتُناقَش، مجدداً، وفي مسائل كمعنى “السينما الفلسطينية” اليوم، وحكاياتها وشخصياتها.

هل تمثّل الأفلام المُختارَة والمعروضة في كل العالم الآن “القصصَ الفلسطينية” (كما تسمَّت)؟ هي تمثّل السينما الفلسطينية وليس القصص الفلسطينية، كي نكون أكثر دقّة. هي تمثّل السينما برداءة بعض أفلامها، وبجودة أخرى.

لنتحدّث في ذلك قليلاً.

الأفلام الفلسطينية ليست القصصَ الفلسطينية. هي قصصٌ وليست القصص، لسبب بسيط هو تماثلها وبالتالي محدوديتها، هو تناقل القصص لسياقات بعضها. هي، عملياً، قصّة فلسطينية واحدة في أفلام عديدة. لا يشمل ذلك كلّ الأفلام المختارَة بطبيعة الحال، بل قسماً معتبَراً منها. قسماً يكفي لجعلها مسلسلاً واحداً بمواسم، كما هو بعض المحتوى الأساسي في نتفلكس.

الاختيارات، في قسم منها، متشابهة، بما يصعّب مَهمّة المُشاهد، الجديد على هذه السينما لنقُل، وهو -هذا المُشاهد الجديد المفترَض- أهمّ ما يمكن أن يحمله خبرُ عرض المنصّة لكل تلك الأفلام، فهو جمهور آخر، ساحةً جديدة للفيلم الفلسطيني.

لا بدّ أن يظن أحد هؤلاء بأنّ الذي يشاهده، موسمٌ أو حلقةٌ وليس فيلماً، فأوجه الشخصيات والسياقات متشابهة إلى درجة يصعب، على هذا المشاهد المكتشِف، التمييز بينها. ولا يخصّ هذا الكلامُ الأحداث والقصص والتناقضات التي تطوّر القصص والشخصيات، والأمكنة والأزمنة، وحسب، وهي كلّها متناسخة عن بعضها، بل كذلك الأوجه المتكرّرة، وهذه الأخيرة إن دلّت على شيء فهو إمّا نقص في عدد الممثلين الفلسطينيين -وهذا غير دقيق- أو امتداد تناسخ السياقات إلى تناسخ الأوجه، ما يضمن حضوراً معيناً للفيلم متكئاً على حضور هذا الوجه أو ذاك، لهذا الممثل أو الممثلة، أو ذاك/تلك. وبعض هؤلاء الممثلين لا يساعد في التمييز بين شخصياته، فالملامح لديه تبقى ذاتها، كان بطلاً سلبياً هنا أو إيجابياً هناك، خاضعاً هنا أو غاضباً هناك. النبرة ذاتها، الحركات ذاتها، وذلك يتعلّق بفشل لدى المُخرج/ة بالقدر ذاته لدى الممثل/ة. هنا، تكون الغلبة لسيطرة مفاهيم كالتراكم والتوقُّع والمساحة الآمنة، في عقليات صنّاع أفلامٍ فلسطينيين. بقصدية أو تلقائية، لا يهم.

النتيجة هي ذاتها، أخيراً: تقارب مملٌّ في الأفلام، قصصاً وشخصيات. فلا يكون الفيلم الجديد سوى حلقةً أو موسماً مما هو معروف مسبَقاً، فيضمن الفيلم (الجديد) الجمهورَ ذاته، المترقّب لحلقة جديدة، لاعباً في مساحة آمنة، فيتلاشى الابتكار والتجديد، أو حتى الاختلاف في ما هو قديم، فلا تكون الأوجه ذاتَها وحسب، بل التعابير على هذه الأوجه (المتكررة حدَّ الملل) تكون كذلك ذاتها، في هذا الفيلم وذاك.

لنتحدث قليلاً في الاختيارات.

لمَ قد يهتم القائمون على الاختيار، بعرض أفلام شديدة الرداءة، وعلى منصّة لعلها الأولى عالمياً؟ لا أعتقد أن المنطق المطلوب هو التمثيل “النسبي” للسينما الفلسطينية بقدر ما هو منحُ أولوية للأفلام الجيدة والممتازة، وبعضها حاضر في اللائحة. والجيدة، بسماحةٍ، تعني: أفلام قصصٍ فلسطينية لا تكون، بالحد الأدنى، مملةً ولا ساذجةً ولا شعاراتيةً. نسبة الأفلام المرضيَة قليلة في اللائحة، والباقي تكرارات مزعجة لمُشاهد فلسطيني ومملة لغيره.

ليس لهذا الـ “غيره: المُشاهد الجديد” اعتباراتٌ معيّنة قد يأخذها أحدنا في حكمه الملطَّف على أفلام فلسطينية، كأن يكترث بالمدة التي تستغرقُ الصّانعَ في خروج فيلمه، أو كمحدّدات تضعها له (أو يضعها لنفسه من أجلها) الصناديق المموِّلة، أو صعوبة إيجاد ممول أساساً، أو عدم الوعي في ضرورة التخصّص في عملية الصناعة، فينساق لرغبته في أن يكون المخرجَ والكاتبَ والمونتيرَ والممثلَ، كأنّ الفيلمَ حصصٌ يتكرّم فيها صاحبه/صانعه، على العاملين فيه. قد يأخذ أحدنا هذه العوامل في صعوبة خروج الفيلم، أخيراً، إلى مُشاهده، بعين الاعتبار، فيلُطف قليلاً على صانعه، مقدّراً كل هذا التّعب، إنّما، المُشاهد أمام الشاشة المُجهَّز بمئات الأفلام والمسلسلات الأخرى، لمَ قد يضطر إلى مشاهدة أفلام رديئة؟ والأسوأ إن أراد، للصدفة، أن يتعرّف إلى السينما الفلسطينية أو قضية الفلسطينيين أو “قصصهم”، من خلالها.

عموماً، كان خبراً جيداً عرض أفلام عديدة لفلسطينيين، وبعضها كان اختياراً ضرورياً وموفَّقاً للتعريف بقصص الفلسطينيين داخل البلاد وخارجها. والقائمون على ذلك فعلوا خيراً، إنّما، وقد سنحت الفرصة لتمرير قصص فلسطينية إلى العالم بشكل يفوق، انتشاراً وفاعليةً، ما تفعله صالات السينما (آسفاً على ذلك أم غير آسف، هذا موضوع آخر)، لمَ نالت أفلامٌ شديدة الرداءة تلك الفرصة إلى جوار، وتحديداً على حساب، أخرى تنقل، حقيقةً، قصةً فلسطينية بجماليات تنافس في عجقة الأفلام والعناوين والقصص والشخصيات والسياقات، المتراصفة المتلاصقة على شاشة المنصّة، ولا يحول بين واحدة وأخرى سوى نقرة؟

في منطق مَنصّات المشاهَدة هذه، أوّل شعورٍ بالملل، أوّل تحسّسٍ للرداءة، لا رحمة فيه.

في القدس العربي

This entry was posted in: 1،الأولى

بواسطة

روائي وكاتب فلسطيني مقيم في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب المقال الثقافي والنقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له خمسة كتب آخرها «تذكرتان إلى صفّورية» و«سيناريو»، وتصدر له روايته الثالثة قريباً. نال مشروعه «السيرة الذاتيّة في سياق الجمعيّة: بحثٌ في السينما الفلسطينية» في ٢٠٢١ منحةً من مؤسسة "آفاق".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.