سينما
اكتب تعليقُا

«ذكريات جسدي» للإندونيسي غارين نغروهو

تكمن أهمية بعض الأفلام لا في شكلها فحسب، أي لا في السينماتوغرافيا الخاصة بها، تقنيات وأساليب تصوير وسرد، إنّما في موضوعها كذلك، خاصة إن كان للموضوع موقف إنساني أو كان الموضوع تناولاً لمسألة حقوقية، ويمكن القول إن الأهمية تتضاعف إن أخذنا بعين الاعتبار السياق المتعلّق بصانع الفيلم، ببيئته وبلده، فيما يخص موضوع فيلمه.

مثالنا هنا فيلم «ذكريات جسدي» (٢٠١٨) للإندونيسي غارين نغروهو والذي عُرض مؤخراً في السينماتيك الفرنسية بحضور المخرج. الفيلم الذي كان بشكل فنّي جيّد، كان، وهو الأهم هنا، بموضوع مُقدَّماً بشكل محكم، خاصة وأنّه استُوحي من قصة حقيقية لجونو، وهو مصمم رقصات (كوريوغراف) إندونيسي له ميول مثلية.

لم يقدّم الفيلم مثلية جونو كموضوع أساسي له، وإن كان لذلك ”قيمة“ تُضاف للفيلم وتُعلي من إيراداته كونها ”موضة“ تكثر في الصالات بأفلام تتجاور مع تلك التي تقدّم المسألة المثلية بشكل فنّي وجدّي غير انتهازي تجاري. فأتى الفيلم ليحكي سيرة مصمم الرقصات الذي خرج من الريف والفقر والعمل منذ كان طفلاً إلى ما أراد دائماً أن يكونه: راقصاً يمنح الحرية لجسده في حركاته.

أمّا ما يمكن أن يعطي الفيلمَ قيمة إضافية هنا فهو أن صانع الفيلم خرج من مجتمع لم يتقبّل بعد المسألة المثلية كما هي في دول ومجتمعات أخرى، وكانت صناعة الفيلم جريئة بقدر قد لا يقل عن جرأة جونو نفسه في الخروج عن الريف ومنه، عن الذكورة، وعن قيود المجتمع المسلم هناك ليكون راقصاً أولاً، ومثلياً ثانياً.

أتت مثلية جونو في الفيلم ضمن سياقها الطبيعي، إذ لم تكن مركز الفيلم كما يمكن لمخرج ظنّ أنّها -مثلية جونو- قد تكون الأكثر ”جذبا“ للمشاهد فيسلّط الضوء عليها دون جوانب أخرى في حياة الراقص العصامي.

الفيلم يشبه عنوانه تماماً، فهو عبارة عن ذكريات جونو عن جسده. جونو الذي بدأ تعلّم الرقص وهو طفل، الذي كان طفلاً شقياً يهرب من المدرسة ويدخل إصبعه في أحشاء دجاج القرية ليخبر أصحابها إن كانت ستبيض قريباً، وجونو اليافع صار خياطاً محترفاً لدى عمّه، يسجّل مقاسات زبائنه بعينيه، ثم يقيم علاقة ملتبسة مع ملاكم وهو أحد زبائن محل الخياطة، ملاكم يتجهّز لعرسه، يرافقه جونو في تدريباته ويحنّ عليه ويساعده في ما بدا علاقة مثلية مكتومة، أو انجذاباً متبادلاً إنّما مكبوت لقمع المجتمع، خاصة أنّه مجتمع قروي هناك، فقير وصغير حيث يعرف الجميع بعضه البعض.

يتعلّق جونو بآخر، أكبر سناً، يصير أكثر انفتاحاً في علاقته المثلية مع هذا الأكبر سناً من الملاكم، والأكبر سناً بشكل ملحوظ من جونو، لكنّه، أخيراً، يُرسل جونو إلى المدينة، خارج الريف القاتل لموهبته ورغبته، ليمتهن الرّقص بعدما مارسه مع فرقة تتنقل بين القرى، هي فرقة لينوغر للرقص الفولكلوري الإندونيسي، حيث يضع الرجال مساحيق تجميل نسائية، يتنكّرون كالنساء في ملابسهم، ويمارسون مثلهن الحركات ذاتها، وهو ما وجده جونو استجابة لرغباته في علاقته مع جسده والحرية التي أراد منحه إياها.

في الرقص، في الخياطة، في العلاقة المثلية، يمكن القول إن الفيلم كان نقلاً ليسرة علاقة جونو مع جسده أكثر منها سيرة حياته التي انتهت به راقصاً محترفاً. وكان لذلك أكثر صدقاً في تصوير تلك الأوجه من العلاقة، فلم يكون الرقص تهريجاً إو إضافة مفتعلة إلى الفيلم، ولم تكن المثلية مقحمة لغاية تجارية، ولم تكن الخياطة إلا إضافة وثيقة الصلة بالموضوع، بحياة جونو، بعلاقته بجسده، وبموقع الجسد عموماً في فيلم سيَري كهذا.

الفيلم (Memories of My Body) الذي كتب السيناريو له مخرجه غارين نغروهو، أتى بأسلوب فنّي كذلك، بتصوير استفاد من الألوان الريفية هناك، من الألوان والزركشة في ملابس الراقصين وقد امتدت على طول الفيلم. وأتى كذكريات يرويها الراقص جونو، المحترف، إذ يروي لنا، للكاميرا مباشرة، حكايته منذ كان طفلاً دون أب، إلى أن بدأ رحلته خارجاً من الريف إلى المدينة، على متن شاحنة تقلّه في طريقها، وهو سعيد ويضحك، ونادراً ما كان يضحك في الفيلم، ويستمع لأغاني من مسجّلة رافقته، كما كانت دائماً ترافقه وهو صغير آلة موسيقية محلية.

الفيلم، كأفلام أخرى لغارين نغروهو، تجري في جزيرة جافا الإندونيسية، حيث ينقل المخرج قصصاً محلية لها طابعها الإنساني المشترك غالباً مع مُشاهدي الفيلم أينما كانوا، وفي الفيلم كذلك مشاهد وإشارات للحال السياسية والاجتماعية في البلد آنذاك، وحملات القمع ضد الشيوعيين.

الفيلم الذي شارك في مهرجان فينيسيا الأخير، هو عمل فنّي يتناول مسألة الجسد والذكورة والأنوثة برقي ومسؤولية وجودة فنّية ملفتة.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.