سينما
اكتب تعليقُا

«حرب باردة» للبولندي بافيل بافليكوفسكي 

الأفلام الجيّدة هي تلك التي تهتم بكل ما يمكن أن يصل للمتلقّي المُشاهد، هي التي تكون بتصوير ومونتاج جيدين، بصوت وموسيقى جيدين، بحكاية وشخصيات جيدة، وإن أخذنا هذه النقاط بعين الاعتبار في الحديث عن هذا الفيلم، سنجد أسباباً مقنعة للمتعة التي يمكن أن يسبّبها لمُشاهده.

أتى التصوير بالأبيض والأسود، بأجواء شتوية يكاد لا يغادرها الحزن رغم الغناء والفرح فيه، وفي هذه وتلك ما يذكّرنا بالفيلم السابق لمخرجه البولدندي بافيل بافليكوفسكي، «إيدا»، الذي يتشارك و «حرب باردة» الزمن الذي تجري فيه الأحداث كذلك، وهو بدايات النصف الثاني من القرن الماضي، وهو الفيلم الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي عام ٢٠١٥.

 في فيلمه الأخير (Cold War)، المعروض في الصالات الفرنسية، والذي نال جائزة أفضل مخرج في مهرجان كان السينمائي بدورته الأخيرة، يعيدنا بافليكوفسكي إلى أجواء مماثلة، وإن كان قد استوحى القصة من حياة والديه، إلا أننا نبقى في حكاية إنسانية في بلاده وضمن الزمن الشيوعي. بتصوير بالأبيض والأسود، بتقطيع للحكاية ضمن أزمنة وأمكنة يقدّمها عند كل فصل من الفيلم، إذ تمتد الحكاية على سنوات، وبين بولندا وباريس، أمّا الموضوع الأبرز هنا فهو تدخّل السلطة السوفييتية في علاقة الناس بماضيهم كما في علاقتهم بحاضرهم.

أما العلاقة بالماضي فهي تخص الكيفية التي بدأ بها الفيلم حكايته، وأما العلاقة بالحاضر فتخص تطوّر الشخصيات وتقاربها من بعضها.

يبدأ الفيلم بفيكتور وهو ملحّن موسيقي، ورفيقة له يجرون بحوث مع تسجيلات من مناطق نائية في بولندا، وذلك لتوثيق الأغاني الشعبية هناك، فلكل منطقة نسختها من أغان أو هي أغان خاصة أساساً، وذلك كي يعيدا إحياءها بتسجيل حديث، وبأصوات كورالية، ثم ينظّمان مسابقة أداء لفتيات ويدرّبانهن على أداء هذه الأغنيات، فينظّمان حفلات غنائية واستعراضية لإحياء الأغاني التراثية البولندية، إثر نجاح الفرقة، تقترح عليهم الدولة أن تقوم الفرقة بأداء أغنيات سياسية، فيضطرون متمنّعين لذلك، لترتفع صورة ستالين في الخلفية مع كلمات تناسب السياسة الشيوعية للدولة، هنا تكون الدولة قد محت الفولكلور الخاص بالبلد مقابل ترسيخ الخطاب الإيديولوجي الذي بات مسيطراً حتى على التراث المحلّي.

تمتد سطوة الدولة لتطال، إضافة إلى الماضي والتراث، الحاضر الذي هو هنا أساس الحكاية، فواحدة من الفتيات اللاتي تقدمن للفرقة، هي زولا، والتي ستدخل في علاقة حب مع فيكتور، يتفقان على الهرب إثر حفلة اضطروا القيام بها في مدينة برلين الشرقية، يمجّدون فيها مدناً وقيادات في المعسكر الإشتراكي، ينتظرها فكتور بعد الحفلة ولا تأتي لانشغلها مضطرّة في أحاديث مع آخرين، فيهرب لوحده من برلين إلى باريس، حيث سيمارس العزف في البارات، انتقال واضح نلمسه هنا في نوع الموسيقى التي يعزفها، من سوفييتية وحماسية إلى الجاز والارتجال. تمر السنين وتلتقي به في باريس ثم تختفي، ثم يلتقون مجدداً، يسجلون اسطوانة معاً في باريس ثم تختفي زولا التي مرت بعلاقات زواج. أخيراً يلتقيان ويقرران البقاء معاً إنّما بشكل مأسوي.

إقحام الدولة لنفسها وسياساتها وإيديولجيتها في كل من التراث الجمعي للأهالي والعلاقة الحميمة لحبيبين، أدى إلى خراب كل من هذا وذاك، فلا الماضي تم حفظه وتقديمه بشكل محدّث ولا علاقة الحب أمكن لها أن تكتمل ببقاء الحبيبين مع بعضهما، فكان للدولة أن تحطّم ماضي وحاضر الأفراد والجماعات، وكذلك المستقبل كما سنعرف في المراحل الأخيرة من الفيلم.

الفيلم إدانة واضحة للنظام الشيوعي في بولندا وعموم المعسكر الإشتراكي، إنّما إدانة فنّية، فيحكي عن الهشاشة التي لدى الحبيبين والتي حطّمتها الدولة، يحكي عن البساطة التي لدى القرويين الذي مايزالون يمارسون الغناء التراثي، عن قيام باحث موسيقي بتوثيقها، لتحطّمها الدولة التي تريد أن تقول أن ماضي البلد هو ماضي الدولة/النظام، وأن الحاضر والمستقبل لدى الأفراد لا يمكن أن يكون خارج ما تراه الدولة مناسباً، خارج ما يخدم سياسة الدولة الداخلية والخارجية! نتذكّر هنا ما كتبه جورج أورويل في روايته «1984» عن الدولة القمعية/الشمولية بأن ”من يتحكم بالماضي يتحكم بالمستقبل. ومن يتحكم بالحاضر يتحكم بالماضي“.

من خلال الجماليات البصرية، وتحديداً من خلال الغناء والموسيقى والرقص، الجمال الريفي الشعبي البسيط، الجماليات التي تأخذ مساحة واسعة من مدّة الفيلم، استطاع «حرب باردة» أن يقول بأن الحب والجمال والفنون الصادقة والمتأصّلة تكون في أبهى صورها كلّما أضاقت عليه البشاعة. وفي الفيلم، الجمال يأتي صوتاً وصورة وحكاية.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.