سينما
اكتب تعليقُا

«أسفل البحيرة الفضّية» للأميركي ديفيد ميتشل

★★★★★

الشروط التي يضع الفيلمُ المُشاهدَ فيها تفرض على الأخير الزاوية التي يمكن له أن يتلقى الفيلم ويدركه من خلالها، فيقدّم الفيلم نفسه كواقعي يجري بأحداث يمكن لها أن تكون حقيقية، قد حصلت أو أنّ احتمال حصولها واقعي، يمكن هنا للمُشاهد أن يضع نفسه مكان البطل في الفيلم أو أنّ الظروف التي وجد البطل نفسه فيها يمكن أن تُنسخ في ذهن المُشاهد إلى حياته الواقعية التي سيعود إليها إثر الخروج من الصالة.

هنا، في هذا الفيلم الغرائبي السريالي، نجد خلاف ذلك، فالبطل هنا، من ربع الساعة الأول، يتهيّأ لغرابة تحصل معه -سنجاب يسقط من شجرة لتخرج أحشاؤه بدمها فور ارتطامه بالأرض أمامه- ولمصادفات تحمله من عالمه الواقعي بشكله الظاهري في بدايات الفيلم، في يومياته وعلاقاته، تحصل معه وتحمله تدريجياً إلى عالم خيالي فانتازي إنّما دون مخلوقات فانتازية.

الغرائبية هنا ليست أولاً في الشخصيات إنّما في الظروف والأحداث، في التفصيلية منها غير المبررة عقلياً وكذلك في الخط الرئيسي للحكاية بمجملها، وإن كانت بزمان ومكان واضحين: مدينة لوس أنجلس، في زمن ليس بعيد عنّا يدلّ عليه لعبة الفيديو ”نايتندو“ وجهاز VHS لتشغيل الأشرطة.

ولكي يزيد الفيلم من عناصره الغرائبية يجعل من قصّته الأساسية حبكة فيلم ”نوار“، تحقيقيّ دون بوليس، إذ تعتمد الحكاية على بحث البطل، واسمه سام، على جارته الجديدة التي اختفت فجأة، وأثناء البحث الواقعي نوعاً ما -فهنالك أدلّة مادية على وجودها- نشاهد أصدقاء وحفلات وأحداث تتخلّلها مصادفات غريبة.

أثناء هذا التطوّر في السياق الواقعي، تتتالى أحداث تفصيلية غير واقعية بالمرّة، فانتازية تحمل المُشاهد إلى عالم لا يسمح له بتوقّع ما يمكن أن يحصل لأنّ الظروف هذه تخضع لشروط سريالية لا يمكن تطبيقها على المُشاهد في حياته الواقعية، وهذا ما يجعل الفيلم عصياً على الفهم المنطقي أو الربط الاستنتاجي بين أحداثه. وهذا ربّما ما جعله ينال التقييمات النقدية من أعلاها إلى أدناها!

إذن، في البداية سنجد العاطل عن العمل، سام، جالساً في بلكون شقته يراقب جاراته، تخرج إحداهن إلى حوض السباحة المقابل، يراقبها بالمنظار، تراه، يزورها مساء، يكاد يمارس الحب معها إنّما يدخل لبيتها أصدقاء غرباء فيخرج. في اليوم التالي يجد أنّها قد غادرت شقتها، يتسلل إلى الشقة ويجد صندوقاً فيه أشياء، وصورة لجارته يأخذها ثم يختبئ حين يرى امرأة تدخل، تحمل الامرأة الصندوق وتخرج. هنا يبدأ بمشوار بحثه الفانتازي عن هذه الفتاة التي سيُرجَّح بين وقت وآخر أنّها لم تكن سوى حلم أو شخصية من نسج خياله، وذلك لسريالية الأدلّة التي تقود إليها، إنّما دخول عناصر واقعية/مادية تشير لجارته، تلفزيو وصحف وغيرها، يرجّح أن ما يحصل هو وقاعي تماماً إنّما في عالم هو نفسه ”غير واقعي“.

الفيلم الذي شارك في مهرجان كان السينمائي مؤخراً، والمعروض حالياً في الصالات الفرنسة، وقريباً سيتوفّر عبر موقع ”موبي“ في المملكة المتحدة، وصالات السينما في العالم، هو كتابة وإخراج الأميركي ديفيد روبرت ميتشل الذي كتب وأخرج كذلك قبل أربعة أعوام فيلماً قد لا يقل غرابة هو «It Follows». وفيلمه هذا، هو فيلمه الروائي الطويل الثالث، ما يشير إلى أنّ المخرج قد رسم لنفسه أسلوباً سينمائياً خاصاً يعتمد على الغرابة التي تذكّرنا بين مشهد وآخر بديفيد لينش وغرائبية الحكايات والمَشاهد والشخصيات في أفلامه التي لا تستلزم الإدراك بالضّرورة كي يقول مُشاهدها أنّه شاهد الفيلم واستمتع به.

لكن لهذه الأسباب ذاتها، الغرائبية والتتالي غير المبرَّر للأحداث، يمكن أن يكون الفيلم لدى البعض مضيعة للوقت، خاصة وأنّ الغرائبية هنا في الربط بين الأحداث التفصيلية كانت في مواقع عدّة سطحية، استُسهل بناؤها، فكان الرّبط غير مُحكم وكذلك المفاتيح التي دلّت البطل ليحلّ لغزاً هنا أو هناك -بعضها يعتمد على ألعاب أطفال أو تفكيك شيفرات أغنية بشكل عبطيّ وأحياناً ساخر- أو ليتصرّف على أساس حلّه لهذا اللغز أو ذاك -كأن يمسح بيده منحوتة هي رأس جيمس دين ثم يذهب للانتظار أسفل منحوتة لنيوتن ليخرج له رجل آتٍ من حقبة سابقة- هذه كلّها أتت عبطية إذ يمكن تبديلها أو الاستغناء عنها دون أن يتأثّر الفيلم فعلاً.

هذه التفصيلات الغريبة كلّها، وغيرها، أعطت ما يحصل في الفيلم احتمالاً بأنّ يكون سخرية وساركازم من الحياة الفنيّة في هوليوود، خاصة وأنّ ذلك تبيّن أخيراً من خلال لقاء البطل بأحدهم يحكي له كيف أنّه -وهو مؤلّف أغاني بوب- كوّن بأغانيه الحياة العامة واليومية والأذواق لأجيال.

للفيلم (Under the Silver Lake) احتمالات عدّة في تفسيره، وهذه كانت وظيفة الغرائبية فيه، إذ لا يمكن تحديد هذا التفسير بإطار واحد لا يمكن أن يتّسع لتفسيرات أخرى، فالغرائبية والفانتازية، وتحديداً كيفية عثوره/عدم عثوره على جارته، يؤكّد ذلك الفضاء الواسع في فهم الفيلم وإدراكنا لما يحصل على الشّاشة.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.