سينما
اكتب تعليقُا

«اجتياح» للياباني كيوشي كوروساوا

★★★★★

قد يبدو الفيلم واقعياً، بشخوصه وأحداثه الأولى، في النصف ساعة الأول، وإن تخلّله بعض التفاصيل التي تحتاج لتبرير، إنّما هذا حال السينما، لا يمكن لأحدنا أن يطالب بتبرير واقعي ومفهوم لكل ما يشاهده على الشاشة، فالشروط التي تجري فيها الأحداث، وتتحرك وتتحدث فيها الشخصيات على الشاشة هي شروط الفيلم وحسب، لا يمكن -غالباً- سحبها على واقعنا.

يبدأ الفيلم إذاً بيوميات عادية لزوجين في اليابان، بعض تصرّفات الزوج والعاملين مع الزوجة في المصنع تبدأ لتتخذ طابعاً غريباً، أو لنقل يحتاج تفسراً بسيطاً. تتطوّر المسألة لنخرج تماماً من هذه الأجواء إلى أخرى تحكي عن كائن فضائي يجول في المستشفى، لكن كذلك في المدينة حيث ينتقي، برفقة الزّوج وإرشاده، ضحاياه. وهذا الطابع الغريب يبقى في ما نتصوّره، في ما ندركه، في ما نتخيّله، إنّما ليس في ما نراه، فبصرياً، ليس هنالك أي كائن فضائي، ليس هنالك أي لقطة لا يمكن أن تكون أرضية تماماً وواقعية ويومية تحدث، شكلياً، مع أي منّا.

هنالك تباين إذن بين ما هو مُدرَك في الفيلم وما هو مرئي. المدرَك هو حكاية هذا الفضائي الخارق الذي يمهّد لاجتياح كائنات فضائيّة -قمريّة- إلى كوكب الأرض، المرئي هو إنسان ياباني كالآخرين، يتكلم اليابانية كغيره، يقول أنّه مبعوث من الفضاء ليمهّد لاجتياح، وليس هنالك ما يحث على تكذيبه، خاصّة إذا ما أظهر قوّته الخارقة أمام الآخرين، أمام المرشد تحديداً، وهو هنا الزّوج ضعيف الشخصية.

أمّا القوة الخارقة فهي أساس الفكرة في الفيلم، وهي أساس وجود هذا الإنسان/الكائن الفضائي، بين اليابانيين: التعرّف على المدارك والمشاعر التي لدى النّاس، سكّان هذا الكوكب، فمهمّة هذا الفضائي هي ”استلاب“ ما لدى البشر من مشاعر ومدارك ليتعرّف عليها ويتملّكها، منها الخوف والحياة والمستقبل والكرامة والحب، أمّا أوّل هذه المدارك فهي مفهوم العائلة، إذ تكون الحالة الأولى في الفيلم: فتاة، زميلة للزوجة في عملها، تبدأ فجأة بالخوف من أبيها، يتم تشخيص حالتها نفسياً ليجد الطبيب أنّها قد فقدت معنى العائلة، لم تعد تدرك ما يعنيه أن تكون ضمن عائلة.

أمّا آخرها، أو آخر ما يحاول استلابه هذا الفضائي دون مقدرة، فهو الحب، وذلك بمشاهد أخيرة حيث تقاتل الزوجةُ الفضائيَّ لتخلّص زوجها الذي يعاني من ألم مريع في ذراعه، يدرك أخيراً الفضائي بأن ما يراه أمامه هو حب الزوجة لزوجها، وهو ما يجعل الامرأة تذهب حتى النهاية في تخليص زوجها.

أمّا الألم في الذراع فهو إشارة إلى الارتهان للفضائي، إذ يبدأ الفضائي باختيار أناس ليكونوا مرشدين لها في مَن يختاره ليسلب منه مشاعر أو مدارك محددة، وذلك يبدأ بمصافحة الفضائي والألم الأوّلي الذي تسببه هذه المصافحة، كأنّنا أمام تعاقد بين الدكتور فوستوس والشيطان ميفوستوفوليس، إذ أنّ هذه المصافحة تجنّب المرشدين احتمال أن يكونوا ضحايا الفضائي كما أنّها تبقيهم رهائن لديه، تحت رحمته، وعرضة لأي لحظة لألم مريع.

أمّا الزوجة، المحبّة، فكانت الوحيدة غير القابلة لأن تخضع للاستلاب، رغم محاولات عدّة من الفضائي، ولم يُربط ذلك بشيء بشكل مباشر، في الفيلم، إنّما الشخصية التي لدى الزوجة يمكن أن تشرح ذلك وتبرّره، فهي طيّبة القلب بشكل ملحوظ، تساعد أصدقاءها وعطوفة على زوجها، محبّة له، قويّة وشجاعة عن الحاجة، يمكن القول بأنّها تحمل المشاعر والمدارك الإنسانية الأصفى، فكانت عصيّة على الفضائي و”اجتياحه“ للبشر، وكان هو عاجزاً، أخيراً، على القضاء عليها، وكانت، لذلك، المخلّصة للبشرية -وإن بشكل مبالغ فيه ومشاهد هوليوودية غير مبرّرة- لزوجها واليابانيين والبشرية أجمع من هذا الهجوم.

الفيلم الذي بدأ وامتدّ زمنياً بشكل معقول، بحكاية وتصوير جيّدين، حيث للغرابة أبعاد نفسية واجتماعية وربما فلسفية، أخذ أخيراً، مقترباً من نهايته، منحى آخر متأثّراً بالسينما الهوليوودية التي أنتجت العديد من الأفلام التجارية التي تناولت ”اجتياحاً“ فضائياً حيث الدولة والشرطة والجيش والإعلام يملؤون الشاشة بحركات سريعة وانفعالية ومفتعلة، وهذا ما منع الفيلم من أن يكون فيلماً بأبعاد إنسانية يحكي عن أنّ أغلى ما تملكه البشرية هي المشاعر والمدارك.

الفيلم (Invasion) الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي الدولي مؤخراً، والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، هو من إخراج الياباني كيوشي كوروساوا -لا علاقة بينه وبين السينمائي الياباني أكيرا كوروساوا- وذلك بعد سلسلة من الأفلام ذات الأجواء المماثلة في غرابتها، منها «قبل أن نتلاشى»، ٢٠١٧، «رحلة إلى الساحل»، ٢٠١٦، «سوناتا طوكيو» ٢٠٠٨، وهي، وغيرها شاركت في الدورات السابقة من مهرجان كان السينمائي وغيره.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.