سينما
اكتب تعليقُا

«2001: أوديسيا الفضاء» لستانلي كوبريك

★★★★★

في مهرجان كان الأخير، أيّار/مايو من هذا العام، تم الاحتفال بمرور نصف قرن (50 عاماً) على أحد أفضل الأفلام تقييماً في تاريخ السينما، وأحد أكثرها التباساً من ناحية التفسير والمعنى، وهو فيلم البريطاني ستانلي كوبريك «2001: أوديسيا الفضاء» (1968)، وذلك بعرض نسخة مرمّمة (70 mm) من الفيلم، ومن حينها، بدأ الفيلم عروضه التجارية في الصالات الفرنسية والأميركية وغيرها حول العالم، بنسخة يمكن ملاحظة الفرق فيها، عن تلك غير المرمّة، من حيث الألوان ونقاء الصّورة تحديداً.

وقد تمّ الترميم بالعمل على النسخة الأصلية لنيغاتيف الفيلم، ما يمكن اعتباره إعادة ”تشكيل“ للفيلم من أساسه، وذلك بدون أي إضافات رقميّة أو تأثيرات خارجة عن الشريط الأصلي للفيلم.

كان الفيلم قد نال جوائز عدّة منها أوسكار أفضل تأثيرات بصريّة، لكنّه يبقى من تلك الأفلام التي تفوق الجوائزَ أهميّةً. وهو فيلم الخيال العلمي الوحيد الذي دخل قائمة مجلة «سايت آند ساوند» لأفضل 100 فيلم في التّاريخ، ونال رقم 6، ولا تخلو أي قائمة مماثلة، جدّية، منه. ويمكن أن يلخّص ما قاله كوبريك عن فيلمه الطبيعةَ الالتباسية له -نذكر أنّ الفيلمَ لايزال يلقى، منذ خروجه إلى الصالات قبل خمسين عاماً، ردود فعل متخبّطة غير مدركة لما يحصل/حصل فيه- قال كوبريك: ”حاولت خلق تجربة بصريّة، تجربة تتخطى التصنيف الكلامي، وتخترق مباشرةً اللاوعي بمضمون عاطفي وفلسفي.“

للفيلم مضمون فلسفي وجودي واضح، وقد تأثّر به (أو صنع فيلمه رداً عليه) المخرج السوفييتي أندريه تاركوفسكي في فيلمه «سولاريس» (1972) الذي لا يقل فلسفيةً/وجودية، ولا جماليّة بصرية، وإن كان ممهوراً بأسلوب تاركوفسكي.

الوجودية في الفيلم تمتد على طوله: في البداية حين يكتشف أحد القرود طريقة للتغلّب على الآخرين والسيطرة على الأرض القاحلة التي تعيش القرود عليها، إلى المبنى الأساسي للفيلم وهو مركبة الفضاء ”ديسكوفري“ التي يتنازع عليها أيضاً رائد الفضاء من جهة والكمبيوتر المتحكّم أوتوماتيكياً بالمركبة واسمه ”هال“. إذ يحاول كل منهما السيطرة على المركبة. مركّزاً، كوبريك، بذلك على ”لازمنية“ غريزة السيطرة وارتباطها بالبقاء، والبقاء يكون للأقوى في الحالتين: في فجر التاريخ كما في مركبة الفضاء.

صُوّر الفيلم في ستّينيات القرن العشرين، لكنّه مازال صحيحاً تماماً علمياً، عدا عن الاستباقيّة العلمية فيه المبنيّة على الخيال. لكن القوّة في فيلم الخيال العلمي هذا تكمن تحديداً في الجماليات فيه، البصريّة والسّمعية، أمّا بخصوص البصرية، فكوبريك لم يلجأ إلى خدع كمبيوتريّة بل إلى بناء مجسّمات كاملة كانت الخدع فيها ميكانيكية (كما في كل المشاهد التي تتعلّق بالجاذبية في مركبة الفضاء)، كما تكمن في البعد الفلسفي الوجودي من المَشاهد الأولى حيث القرود، وفي المساحات الواسعة منه للتأمّل، مانحاً المُشاهد فرصته للانبهار. لتلك الأسباب ربّما كان الفيلم مقلاً جداً في حواراته، تاركاً الصّورة والصّوت يقدّمانه، معطياً فرصة أطول للمُشاهد للتأمّل والدّخول في هذا العالم، فالحوار الأوّل أتى بعد نصف ساعة من البداية.

يفرض الفيلم حضوره متقدّماً في أي تصنيف للأفلام الأفضل في تاريخ السينما، وهو أحد أفضل أفلام أحد أفضل المخرجين، وبفضله يمكن اعتبار الأميركي كوبريك من بين الأقدر على استخدام الموسيقى في الأفلام، وهنا كانت مقطوعة «الدانوب الأزرق» للنمساوي ستراوس.

لا يخلو الفيلم الرّؤيوي من غموض وأسئلة ماتزال حتى اليوم بلا أجوبة، مشاهد عديدة فيه بلا تفسيرات، لكنّها لا تتوقّف عن جذب مُشاهدها. لهذا الغموض ربّما لم يلقَ الفيلم نجاحاً إثر خروجه إلى الصالات، ما جعل الشّركة المنتجة تفكّر بسحبه.

يبدأ الفيلم بـ ”فجر الإنسانية“، حيث تتصارع قرودٌ على بركة ماء، ويدرك أحدهم إمكانيّة استخدام العظْمة كسلاح بعد تكسير عظام أخرى بها، فيسيطر على المجموعات الأخرى بهذا السلاح. ظهور غريب لصخرة سوداء مستطيلة مصقولة، ”المونوليث“، يتكرّر على طول الفيلم، تفسيرات عدّة تناولت هذه الصخرة التي لم تُخدَش رغم مرورها عبر الحقب الزمنية من بينها أنّ الطبيعة الإنسانية/الحيوانية هي ذاتها منذ فجر الإنسانية حتى الأمنة اللاحقة.

بعد مرحلة ”فجر الإنسانية“ مع القرود، بملايين السنين، ينتقل فلويْد إلى قاعدة كلوڤيس الفضائيّة على القمر. بعدها بأشهر يصعد رائدا فضاء، بومان وبول، إلى المرّيخ مصحوبيْن بنظام كمبيوتري متكلّم، ”هال“، هو الشّخصية الأساسية في الفيلم وهو كذلك الشخصية الشريرة. يقرّر الرائدان تعطيله لشكوك بمحاولته القضاء عليهما، يعرف ”هال“ بذلك ويحاول فوراً التّخلص منهما. يتوه بومان في الفضاء ويدخل في طبقات من الألوان -أحد المشاهد التأمّلية الباقية في تاريخ السينما- ليجد نفسه في غرفة بيضاء وهو عجوز فيها. والفصول الأربعة هذه، من الفيلم، جمعتْها صخرة ”المونوليث“ السوداء.

سيكون الفيلم (2001: A Space Odyssey) دائماً حديثاً، جمالياً كما علمياً، وتحديداً اليوم مع صدور نسخته المرمّمة بعد خمسين عاماً، وهو أب أفلام الخيال العلمي، حاملاً هذا الخيال إلى مناطق الجماليّات البصريّة من حيث التصوير التأمّلي للأشياء والسّمعيّة حيث الموسيقى جزءٌ من المشهد، والفلسفية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.