سينما
اكتب تعليقُا

«شجرة الإجاص البرية» للتركي نوري جيلان

★★★

لم يبتعد المخرج التركي في فيلمه الأخير، المشارك في مهرجان كان والمعروض حالياً في الصالات الفرنسية، كثيراً عن فيلمه السابق، «سبات شتوي»، والذي نال السعفة الذهبية عام ٢٠١٤ في المهرجان عينه، لا من الناحية البصرية ولا بطء السّرد وطول الفيلم (٣ ساعات تقريباً لكل من الفيلمين) ولا من الناحية الموضوعية وحضور الأدب كموضوعة أساسية في الفيلم، وإن كان في فيلمه المعروض حالياً محادثات أطول ومساحة أوسح للكاميرا كي تتحرّك.

في «شجرة الإجاص البرية» عدّة زوايا يمكن من خلالها النظر إلى حكاية البطل هنا، وهو سنان، طالب تخرّجَ حديثاً ويبحث عن عمل وكذلك عن تمويل لطباعة روايته الأولى. إنّما جميع هذه الزوايا تمُركز سنان في منتصفها، تلحقه كما تلحقه الكاميرا أينما توجّه، وكلّها تودي أخيراً إلى مصيره، ما الذي سيصبح عليه أخيراً، ما الشكل الذي ستتطور عليه علاقته مع أهله، ما مصير المخطوط الذي سيطبعه، وغيرها من مآلات حكايته التي تحمل تفسيرات عدّة.

يتركّز الفيلم حو الطّموح لدى سنان، طموحه الأدبي تحديداً إنّما عموم طموحه في الخروج من القرية إلى المدينة، في العمل كمدرّس وقد تخرّج حديثاً من الجامعة، في الزّواج، في الخروج من حالة الفقر التي لم يعرف غيرها، في الاستقلال عن عائلته، ولكن أساساً في إيجاد ممول يساعده في طباعة روايته الأولى، وفي إيجاد، بعدها، ولو قارئ واحد لهذه الرواية، أو مراجعة نقدية واحدة له.

يطرح الفيلم تلك المسائل، وهي مرتبطة ببعضها بشكل أو بآخر، فالسبب الذي يراه سنان في أنّه لن يتزوّج هو صعوبة أن يجد من تقبل بفقير وعاطل عن العمل مثله، وفقره وكذلك كونه قروياً مهمَّشاً سبب للتجاهل الذي يتلقّاه كتابه، فلا تُباع منه نسخة واحدة، يطرح الفيلم تلك المسائل من نظرة وجودية لدى سنان، فكل واحد منها تحقق له جانباً من وجوده -فليس غريباً أن يتخيّل نفسه مشنوقاً قبل نهاية الفيلم- أمام عائلته كما أمام أصدقائه لكن قبلها أمام نفسه، ككاتب ناجح استطاع أخيراً الخروج من القرية وفقرها.

بإطارات جمالية، تملأها الألوان الخريفية، في الريف التركي، ثم في أجواء شتوية ثلجية، في بيت ريفي فقير إنّما معبّأ بالتفاصيل، صوّر جيلان حكاية سنان الذي يبدأ الفيلم به يعود للقرية بعد تخرّجه، لينتهي مآله إلى ما قد لا يشير لإنجاز واحد مما كان يسعى له طوال الفيلم. وبلقطات أتت العديد منها من خلف ستارات ونوافذ وأبواب وأشجار وأوراقها، ومن بعيد، كأنّ جيلان بذلك أراد منح فيلمه وجهة نظر موضوعية لحكاية ذاتية، حكاية سنان التي نراقبها، نحن والمجتمع، من بعيد، من خلف حواجز، عاجزين نحن وكل من يلجأ إليه سنان، عن القيام بفعل مجدٍ تجاهه وتجاه طموحه ومخطوطه.

احتوى الفيلم (The Wild Pear Tree) على أحاديث طويلة، زادت من طوله وقد تبدو أحياناً أنها استطالت زيادة، لكن ذلك بان أساساً في حديثين دون غيرهما، الأول مع أحد الكتّاب المعروفين في البلد، وكان حديثاً وجودياً وكذلك عبثياً بين الاثنين، عن الأدب، يبدأ في مكتبة باع فيها سنان كتاباً عتيقاً ليجمّع مبلغاً يستطيع به طباعة مخطوطه، وينتهي على جسر حيث يفترقان بعد حديث متوتّر، الأوّل أكثر واقعياً والثاني، سنان، ملحّاً برؤيته الرومانسية الطموحة التي قد تتحطّم أخيراً.

الحديث الثاني كان بين سنان وصديقين له في القرية، وكان حديثاً فلسفياً عن الدين ومعناه. وكما هي حياته في الفيلم، لن يصل سنان في الحديثين إلى نقطة يتصالح بها مع نفسه، مع ما يطرحه، أي لن يحقّق نهايةً لما أراده بداية من موقفه ونقاشه.

ما لا يمكن التغاضي عنه في الحديث عن الفيلم هي العلاقة بين سنان وأبيه، وهي هنا تأتي في ما يمكن تسميته بعلاقة أوديبية معكوسة، فالأب غير المسؤول، المعتمد على أفراد أسرته، المستدين بين وقت وآخر من ابنه، الساخر من كل شيء، سخرية كلبيّة إنّما فارغة، نجد أن لدى سنان رغبة وإن مكبوتة، صرّح بها بشكل غير مباشر في أكثر من مكان، رغبة في الانفصال عن أبيه، وكل ما يمكن أن يمثله الرجل من خيبة وفشل وفقر، وعلى طول الفيلم نجد أن العلاقة تزداد في التوتر بين الاثنين، هنالك رغبة لدى سنان في ”قتل الأب“ معنوياً، والخروج عنه، إنّما ليس هذا ما تظهره المشاهد الأخيرة من الفيلم، كأنّ العلاقة التي كانت تتطوّر (أوديبياً) بشكل ما بين الاثنين انقلبت تماماً لتأتي بنتيجة غير أوديبية، بنتيجة تصالحية، كأنّ الهروب لدى سنان أعاده إلى حيث كان.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.