فنون
اكتب تعليقُا

الوثائقي «أنّا كارينا: تتذكّرين…»

أي حديث عن السينما الفرنسية، عن أعوام قمّتها، ستينيات القرن الماضي وبعض السنين بعدها، لا بد أن يفرد مساحة خاصة لواحدة من أيقونات هذه السينما، وتحديداً أيقونات/أوجه السينما الفرنسية في تلك الفترة، حين أحدثت ”الموجة الجديدة“ ثورتها في عالم الأفلام.

هذا الوجه هو حصراً وجه الممثلة الفرنسية آنّا كارينا، ففي وقت كان فيه مخرجو الموجة الجديدة البارزين، جان لوك غودار وفرانسوا تروفو وجاك ريفيت وآخرين، خلف الكاميرا، كان للمثلين، مَن هم أمام الكاميرا ومَن يقدّم المخرجون المذكورون من خلالهم فنَّهم الجديد للمشاهدين، كان للمثلين المكانة الأبرز في تقديم هذا الفن، ومن بين هؤلاء كان لآنا كارينا المكانة الأبرز من بين الممثلات النساء، ممن اقترنَّ بـ ”الموجة الجديدة“ وبالتالي بالأعوام الأفضل، والنتاجات السينمائية الأفضل، للسينما الفرنسية.

يعود الفضل في ذلك لجان لوك غودار، صانع الأفلام الأبرز أثنائها ومن بين الأبرز عالمياً حتى يومنا هذا، من هنا انطلق الوثائقي الذي عرضته مؤخراً قناة ”آرتي“ الفرنسية/الألمانية عن الممثلة الفرنسية، وكان بعنوان «أنّا كارينا: تتذكّرين…» (Anna Karina – Souviens-toi) وهو من إخراج الأميركي دينيس بيري.

يبدأ الوثائقي بسرد الحياة الشخصية الباكرة لكارينا، مارّاً بها إلى حياتها السينمائية، مضمّناً في كل ذلك، وعلى طول الوثائقي، مقابلات خاصة للفيلم مع كارينا وتعليقات لها على مراحل من حياتها، تحديداً ما خصّ علاقتها بغودار.

فالفتاة الدانماركية التي وصلت إلى باريس لوحدها، آتية من عائلة فقيرة ودون أب، في عمر السابع عشرة، دخلت مباشرة عالم الموضة، وتحوّل اسمها من قبل كوكو شانيل، مصممة الأزياء الشهيرة، من آن كارين باير إلى آنا كارينا، حين رأتها في أحد مقاهي حيّ ”سان جرمان“.

بدأت كارينا مشوارها في عالم الموضة والإعلانات التجارية التلفزيونية، إلى أن رآها غودار في أحد تلك الإعلانات (لشركة بالموليف، وسنعود لهذه الحادثة) قبل أن يعمل على أوّل أفلامه  «À bout de souffle» (١٩٦٠)، فعرض عليها دوراً صغيراً تكون فيه عارية، فرفضت، أنهى غودار فيلمه وعاد إلى آنا ليعرض عليها بطولة فيلمه الثاني، وكان فيلماً سياسياً تناول المسألة الجزائرية في فرنسا، وهو «Le Petit Soldat» (١٩٦٣)، فوافقت.

أدّت كارينا مع غودار دور البطولة في ثمانية أفلام، تخلّلها زواج امتدّ بين الاثنين لسبعة أعوام، انتهت بآخر أدوارها في فيلم «Made in U.S.A» (١٩٦٦)، وكانت مرحلة ”الموجة الجديدة“ في أفلام غودار، وكانت المرحلة التي كرّست كارينا كصاحبة واحد من الأوجه الممثلة لهذه الموجة. ويبدأ بعدها غودار مرحلة أفلامه السياسية، غير متخلياً عن تقنيات ”الموجة الجديدة“ والتجريب في صناعة الفيلم، إنّما بعيداً عن آنا كارينا.

لكن علاقة كل من كارينا وغودار لم تمنعها من أن تجد طريقها كممثلة محترفة لدى مخرجين آخرين، وخاصة مع جاك ريفيت في فيلم «La Religieuse»، ١٩٦٦، الذي أظهر كارينا في دور مختلف تماماً عمّا عرفها به الجمهور الفرنسي، كالمرأة الجميلة البريئة الطفولية والعاشقة، وقد كرّس الوثائقي -موضوع هذه الأسطر- مساحة لدور آنا كارينا في هذا الفيلم الذي مثّلت دور بطلته في مسرحية قبل تحويلها إلى فيلم.

بعدها، بعد الانفصال عن غودار، انطلقت كارينا للعالمية، كممثلة رئيسية في أفلام لمخرجين أساسيين في تاريخ السينما اليوم، كالإيطالي لوكينو فيسكونتي والألمانيين رينر فرنر فاسبندر وفولكر شلوندورف وآخرين.

لم تكتف كارينا بالتنويع في أدوارها كممثلة، ففي السنوات اللاحقة ألّفت أربع روايات، وأخرجت ألبومين غنائيين، واحد أُرفق بجولة لحفلات ترويجية وآخر كان تجميعاً لأغنيات غنّتها في أفلام مثّلت فيها. وأنشأت شركة إنتاج خاصة بها وأخرجت فيلماً أدّت دور البطولة فيه اسمه «Vivre ensemble» (١٩٧٢) وقد وصلتها رسالة من فرانسوا تروفو، المخرج الفرنسي والناقد، هنّأها على الفيلم الجيّد. وفي ٢٠٠٨ كتبت وأخرجت وأدّت دور البطولة في فيلم «Victoria».

رغم أنّها تخطت حالة الممثلة لتصيرة أيقونة ممثلةً عموم ”الموجة الجديدة“ الفرنسية، فكارينا لم تنل العديد من الجوائز، وإن كان أهمّها جائزة أفضل ممثلة في مهرجان برلين السينمائي عام ١٩٦١ عن فيلم «Une femme est une femme» لغودار. 

نعود للقاء غودار وكارينا الأوّل، لننهي به، فحين عرض عليها العمل في فيلمه الأوّل، بدور صغير ستظهر فيه عارية، وقد كانت لفتت نظره في إعلان لصابون بالموليف، ورفضت الدور بسبب العري، استغرب وقال بأنّها كانت عارية في الإعلان وهي في حوض الاستحمام، فردّت بأنّها كانت ترتدي بدلة سباحة وأن رغوة الصابون كانت تغطي جسدها حتى رقبتها، وأنّها كانت عارية فقط في ذهنه!

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.