سينما
اكتب تعليقُا

«دوغمان» للإيطالي ماتيو غاروني

★★★★★

ليس من السهل تخطّي التأثيرات التي يمكن أن تكون لأفلام في بلد معين، ضمن تيار سينمائي معين وأحدثت نقلة في عموم السينما في العالم، على السينما المحلية التي تخرج من البيئة ذاتها التي خرجت منها الأفلام التي صنعت تلك التأثيرات، مثال متكرّر هنا هي ”الموجة الجديدة“ الفرنسية، أو قبلها ”الانطباعية“ الألمانية، أو بعدها ”الجيل الأميركي الجديد“، أو غيرها كموضوعنا هنا وهي ”الواقعية الجديدة“ الإيطالية التي امتد تأثيرها إلى خارج إيطاليا مكانياً، وإلى يومنا هذا زمانياً.

ليس من السهل تخطي تأثير ذلك التيار الإيطالي الذي تمركزت حكاياته حول الأحياء الفقيرة وناسها، همومهم ويومياتهم، ضعفهم وقوّتهم حيث لا نتوقّعها، وتلك نقاط ارتكاز لدى فيلمنا الإيطالي موضوع هذه الأسطر، الذي شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان الأخير ونال مارتشيلّو فونتي باستحقاق سعفة أفضل ممثل فيه، والفيلم معروض حالياً في الصالات الفرنسية.

ليس هذا الفيلم «دوغمان» (أو: الرجل الكلب – «Dogman») أولى تجارب مخرجه ماتيو غاروني في مهرجان كان السينمائي، بل سبقه فيلم «واقع» عام ٢٠١٢ ونال الجائزة الكبرى، كما شارك فيلمه «حكاية الحكايات» في المسابقة الرسمية للمهرجان عام ٢٠١٥.

يبدأ «دوغمان» بلقطة معنِّفة نفسياً، مقرّبة، لكلب شرس مسعور موثّق بجنزير يحاول بطل الفيلم، مارتشيلو، تحميمه وتنشيفه في محلّه، وهو محل اعتناء بالكلاب، أقرب ليكون، بمحتوياته وأقفاصه وأجهزته وإضاءته الخفيفة وعفونته بمكان مناسب لارتكابات وحشية، تشبه ذلك السعار الذي نراه من الكلب بداية الفيلم.

مقابل الكلب نرى مارتشيلو، إنسان ضئيل الحجم، فيه شيء من الوضاعة، سلوكاً وحديثاً وشكلاً ولباساً، بسيط، يظن نفسه محبوباً من قبل الحيّ إنّما هو أقرب ليكون ذلك الأبله الذي لا يأبه أحد برأيه، لا يكرهونه إنّما لا يكترثون به، وإن كان يشاركهم مباريات كرة القدم ووجبات الطعام، وأخيراً يتخلون عنه بسهولة ولا يجدهم حين يحاول العودة إليهم بعد ما حصل معه. لكنّ لا يمكن عدم ملاحظة طيبة قلبه، أولاً في التعامل مع الكلاب التي لا يناديها بغير ”حبيبتي“، وثانياً في انعدام نيّته السيئة تجاه الجميع، أمّا الوضاعة التي تكلّمنا عنها فتخص نقاط ضعف في شخصيته ستودي إلى مصيره الدرامي.

للحي كذلك بلطجيّه، سيموني، رجل بملامح عنيفة وجسد ضخم، لا يكف عن الاعتداء الجسدي على الجميع، والجميع كذلك يخاف أن يشتكي عليه، وهم أصحاب محال متنوعة، فإضافة إلى محل العناية بالكلاب هنالك محل بيع وشراء الذهب وناد ليلي ومطعم، وكلّها صغيرة على قياس الحي النائي المنعزل، بمبانيه القليلة، عن محيطه.

الوحيد من بين الرجال الذي يحتفظ بعلاقة ”طيّبة“ مع سيموني هو مارتشيلو، وهي ليست علاقة طيبة إلا كما يفهمها مارتشيلو الذي يقول لسيموني بأنهما أصدقاء، لكن الأخير لا يمتنع عن احتقار مارتشيلو منذ بدايات الفيلم، ولا حتى عن ضربه بقسوة كما يفعل مع رجال الحي الآخرين، إنّما ما يبقي سيموني قريباً من مارتشيلو هو أولاً أن الأخير مزوّد رئيسي لاحتياجات الأول من الكوكايين، دون أن يجد نفسه مضطراً لدفع ثمنه ببساطة لأنّه بلطجي، وهو ثانياً الضعف الاستثنائي في شخصية مارتشيلو ما يجعله مطيعاً لدى سيموني، مهما طلب الأخيرُ منه.

أذكر هنا مشهداً يوضّح تلك العلاقة نُضيفها إلى الطيبة الأصيلة في نفسية مارتشيلو: الرجل البسيط يعود إلى بيته، يجد سيموني واقفاً ينتظره ليوعز له بأن يستقل سيارته دون أن يخبره إلى أين، يحاول مارتشيلو المراوغة عبثاً، بعدها نجد سيموني وآخر يخرجان من بيت نهباه، والآخر يقول بأنّه وضع الكلب في البيت في الثلاثة كي لا يزعجهما. يضطر مارتشيلو للعمل معهما، في عملية السطو هذه، كسائق لا ينال أخيراً من سيموني غير ثمن البترول للسيارة. يوصلهما إلى حيث يريدان ويعود إلى البيت المنهوب ليُخرج الكلب من الثلاجة ويُدفئه ويعيده إلى الحياة ويَخرج، بعدما سرق بعض الذهب.

تتطور العلاقة المشوّهة بين مارتشيلو وسيموني إلى أن يطلب الأخير من الأول استخدام محلّه لسرقة المحل المجاور وهو محل بيع وشراء الذهب، يحصل ذلك وتأتي الشرطة لتحقّق ويخاف مارتشيلو من الاعتراف بأن سيموني من فعل ذلك فيُسجن لسنة، يخرج ويبحث عن سيموني الذي اشترى دراجة نارية جديدة، يطالبه بحصّته مما سُرق فلا يجد إجابة، هنا تتغير شخصية مارتشيلو بشكل درامي، يبدأ التغيّر بتحطيمه للدراجة، خلافاً لما يمكن أن يتوقعه أحدنا منه وهو الهرب والسّكوت كما تعوّد في علاقته مع سيموني البلطجي.

الفيلم الذي اشتغل على الحالة النفسية لشخصياته فعلها بشكل ممتاز لدى مارتشيلو، فهو الرجل الأضعف في الفيلم، وهو كذلك، انطلاقاً من ذلك الضعف، الوحيد الذي تجرّأ على ممارسة وحشية لم يفعلها حتى سيموني، وذلك أخيراً متى وصل حداً من الإهانات لم يستطع تجاوزه، حداً يفوق ما يمكن لشخصيته استيعابه. فالفيلم الذي يبدأ بكلب مسعور يستطيع مارتشيلو ترويضه وتحميمه، ينتهي بالمكان ذاته والجنزير ذاته حيث الكلب، إنّما على رقبة سيموني الذي لم يستطع أحد ترويضه، هنا، يتحوّل مارتشيلو إلى وحش وقد نبعت كل تلك الوحشية التي سينتهي عندها الفيلم من الضعف الذي بدأ عندها.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.