سينما
اكتب تعليقُا

«لذّة، حب، الرّكض بسرعة» للفرنسي كريستوف أونوريه

★★★★★

الأفلام الفرنسية المشاركة في مهرجان كان السينمائي، تخرج إلى الصالات الفرنسية مع عرضها الأوّل في المهرجان، أوّلها كان هذا الفيلم، بعنوانه الملفت: «لذّة، حب، الرّكض بسرعة»، لمُخرج أتى إلى السينما والإخراج تحديداً من الكتابة، هو كريستوف أونوريه، فهو قبل أن يكون مخرجاً، ناقد سينمائي، كما أنه كاتب ومخرج مسرحي، من هذا كلّه، من الكتابة، توجّه إلى السينما، ليعمل أولاً في كتابة السيناريو وثانياً في إخراج أفلامه الخاصة، مستوحياً سينماه من «الموجة الجديدة» في فرنسا، له أفلام كـ «١٧ مرّة سيسيل كاسّار» في ٢٠٠٢، و«في باريس» في ٢٠٠٦، و«أغاني حب» في ٢٠٠٧، إذ تخصّص بأفلام بمواضيع تناولها أكثر من غيره، وباكراً، كتابةً وإخراجاً، وهي حكايات بشخصيات رئيسية تكون مثليّة، وهو الحال في فيلم موضوع هذه الأسطر.

شارك فيلمه الأخير في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، وذكّر بفيلم «١٢٠ ضربة في الدقيقة» الذي نال في دورة المهرجان من العام الماضي الجائزة الكبرى. فكلا الفيلمين يتناول مرض نقص المناعة المتكسبة (الإيدز) إنّما كلٌّ من زاويته، فيلم العام الماضي من خلال تناول حراكٍ حقوقي وجماعي لذلك، وفيلم هذا العام من خلال قصّة شخصية جداً، دون ضجّة المظاهرات والشعارات الحقوقية، وفي كلا الفيلمين سياقٌ لعلاقات مثلية وبأزمنة مماثلة: تسعينيات القرن الماضي.

لكن، أفضل ما كان في فيلمنا هذا هي الناحية السينماتوغرافية، التصوير والديكورات واللون الأزرق الطاغي والمشكّل هويّة لونيّة للفيلم، وهذا بحد ذاته خيار جمالي يجعل للفيلم أجواءه الخاصة، الأقرب لأجواء أدبية، روائية، عوالم غير واقعية، كان للحوارات فيه أثره في أن يكون كذلك، فيلماً أدبياً ذاتياً جمالياً يحكي عن قصة شخصية جداً، بعيداً عن المثلية والمرض المذكور كقضية حقوقية.

لكن دون أن يعني ذلك أنّ الأحاديث في الفيلم، الحوارات المستطيلة والكثيرة فيه، لم تخلُ من ملل بطّأ الأحداث دون أن يعوّض عنها بسلاسة في الحوارات وتلقائية تسهّل تقبّلها من قبل المُشاهد، فأحدنا هنا مُشاهد وليس قارئاً، تشغله الصّورة كما الكلمة، والتعامل مع المشاهد كقارئ في فيلم سينما، من خلال حوارات تُكثر من أدبيتها، لن يكون ملائماً مع عمل بصري ومع وسيط كالسينما في تلقّي الحكاية.

هي حكاية آرتور (بيير دولادونشامب)، كاتب يعيش في باريس، وهي من ناحية أخرى حكاية ماتيو (فانسان لاكوست)، طالب يصغره بسنوات، يأتي من شمال البلاد إلى باريس باحثاً عن فرصته كممثل. لكل منهما حياته الخاصة، الأول بعلاقة مثلية مفتوحة مع آخر، والثاني بعلاقة غيرية مع فتاة، في مدينته الساحلية شمالاً، إنّما بعلاقة لا تبدو أنّ أياً منهما سعيد بها. يلتقي الاثنان في السينما، يشاهدان عرضاً لفيلم «البيانو» لجين كامبيون، يتبادلان النظرات، يقترب الثاني إلى الأوّل، يتبادلان الأحاديث، يخرجان معاً من الصالة، ويتمشيان وتدور أحاديثهما طوال الليل، هنا تبدأ علاقتهما بالنّشوء، مع ما يمكن في حياة كل منهما أن تشوّش عليها.

أشد هذه التشويشات هي فحوصات طبية يجريها آرتور يجد فيها أنّه مريض بالإيدز، فتتأثّر حياته في كيف سيمضيها ومع من، وإن كان يكمل ما بدت علاقة تنشأ بينه وبين ماتيو أم يوقفها عند لحظتها، هل يعود إلى علاقته مع شريكه في السّكن؟ هذه أسئلة واحتمالات تتوارد إليه مع معرفة منه أنّ أيّامه باتت معدودة.

تكمن قوّة الفيلم، إضافة إلى الناحية البصرية فيه، في ذاتيّة الحكاية، في التفاصيل الحياتية التي يمر كل من آرتور وماتيو والتي تبدو غير مترابطة إنّما هي يوميات عادية، يربطها علاقة كل منهما بالآخر، أو تحديداً ما بدت علاقة تنشأ، تأثير حضور كل منهما على الآخر، على ما يقوله ويفعله الآخر، فالفيلم حكاية كل منهما مع الآخر، وفي النهاية تأثير الخبر الذي تلقاه آرتور عن مرضه، على تلك العلاقة، وكل ذلك كما سبق وذكرنا كحكاية شخصية جداً، لإنسان هشّ وحسّاس، كما نراه في أكثر من مشهد، وكلّه دون هتافات وتظاهرات.

للفيلم (Plaire aimer et courir vite) عنوان انكليزي هو «آسف أنجيل»، إنّما يبقى عنوانه الأصلي الأنسب للسرد في الفيلم، لفنّيته وأدبيته التي استطالت في حوارات بلغت حدّ الملل مراراً، لكل ذلك كان الأنسب هو عنوانه الفرنسي، وهو كذلك أدبي وطويل: «لذّة، حب، الرّكض بسرعة».

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.