فنون
اكتب تعليقُا

الفنلندي آكي كوريسماكي: سينما اجتماعية وسياسية خاصة

في اللقاء الافتتاحي للعروض الاستعادية لأفلامه في سينماتيك تولوز، وصل المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي، أحد أهم المخرجين المعاصرين، ثملاً تماماً، اللقاء الذي كان مُقرّراً له أن يمتد لساعتين، انقطع بعد ساعة بالكاد فهم فيها الحاضرون بعضاً من كلام كوريسماكي الذي وصل بزجاجة نبيذ أبيض مع مساعده يصبّ له منها بين وقت وآخر.

انتهى اللقاء سريعاً، غضب الكثيرون من المخرج الذي لم يكترث بآخرين تخلّوا عن ساعة (أمكن أن تمتد لساعتين) من وقتهم ليسمعوه يتحدّث عن أفلامه، لكن هذه الأسباب كانت ضرورية  للتعرّف أكثر على أفلامه التي يمكن بها، بعرضها معاً وضمن فترة زمنية محدودة، تشكيل صورة أفضل وأدقّ عن صانعها، وهو هنا مخرج إشكالي، كحولي، متمرّد، وهو كذلك في الوقت نفسه حسّاس وفنّان وأكثر اكتراثاً بالآخرين في أفلامه، من آخرين.

نبدأ من الرسالة التي نُشرت في صحيفة «ذا غارديان» وقد وقّع عليها فنانون ومثقفون من بينهم كوريسماكي، تنتقد دولة إسرائيل وتدعو للتمسك بأساس المعايير الأخلاقية وهي رفض تقديم منصّات، من خلال السينما والميديا والفنون، لاحتفالات وطنية يرعاها نظام متورّط بانتهاكات ممنهجة وعلى نطاق واسع لحقوق الإنسان. وقد وقّع معه عليها البريطاني كين لوتش ومايك لي وآخرون. إضافة إلى رسالة سبقتها بأشهر تحكي عن أن إسرائيل لا تستمر باحتلالها فحسب بل تعزّز منه، ومن استعمارها، ومن تطهيرها العرقي للشعب الفلسطيني، موجّهة إلى مهرجان FIBA المحتفل بعام إسرائيل في فرنسا، ٢٠١٨، فهو صاحب مواقف من تلك التي لا يجرؤ الكثير من العاملين في صناعة السينما من القيام بها، نتذكّر الآن البيان الذي وقّعه كل من بيدرو ألمودوڤار وبينلوبي كروز وخافيير باردم تضامناً مع غزة قبل أعوام، فقاطعت شركات الإنتاج الهوليوودية الأخيرَين.

موقف كوريسماكي المؤيد لحقوق الفلسطينيين هو امتداد لمواقف أخرى، فقد رفض حضور حفل الأوسكار عام ٢٠٠٣ وقد ترشّح فيلمه «رجل بدون ماضٍ» كأفضل فيلم أجنبي، وذلك لرفضه الاحتفال في بلد يشنّ حرباً. وكذلك كان في فيلمه التالي «أضواء في الغسق»، ٢٠٠٦، الذي رفض ترشيحه أساساً احتجاجاً على سياسات جورج بوش الابن، إضافة إلى مقاطعته لمهرجان نيويورك السينمائي بسبب رفض السلطات منح المخرج الإيراني عباس كيارستامي الفيزا.

لكن ليس كل هذا ما يشير أساساً إلى أنّنا أمام مخرج مكترث، بشدّة، بالآخرين، بل أفلامُه، وهي المعنية بالضّعفاء والمهمّشين والفقراء والوحيدين، وضحايا الرأسمالية اجتماعياً وسياسياً. والقضايا الاجتماعية والسياسية محمولة في هذه الأفلام بفنّية وحساسية عاليين، بشغل سينمائي متقن، بصورة وألوان وديكورات وإطارات لها أبعادها الجمالية، بسيناريو محكم وحوارات مقلّة تجعل السينما صورة وصوتاً وإيماءة قبل أن تكون كلمات، بأجواء سوداوية مينيماليّة (متقشّفة) كئيبة إنّما تنبع بالكثير من الكوميديا، هذا كلّه يحدّد هويّة سينما كوريسماكي، سينما ممتازة وهي إضافة لذلك، سينما إنسانية بكل معنى الكلمة.

تم عرض ١٨ فيلماً لكوريسماكي مؤخراً، في عروض استعادية، انتهت بفيلمه الأخير «الجانب الآخر من الأمل» الذي نال جائزة الدب الفضي في مهرجان برلين السينمائي عام ٢٠١٧، ثم أعلن كوريسماكي أنّه سيكون فيلمه الأخير. وفي هذا الفيلم تناول المخرج الفنلندي حكاية لاجئ سوري وصل صدفة إلى فنلندا، ناقلاً تفاصيل حياتية للاجئٍ وصل حديثاً: تقديمه لطلب اللجوء، المكوث في الكَمب، البحث عن عمل، الالتقاء بمواطنين مختلفي المشاعر تجاهه، من بينهم عنصريون يعتدون عليه، وغيره مما يصعب نقله سينمائياً بهذه المتانة والدقة كتابةً وتصويراً، حتى اللهجات وما يُحكى بها، سورياً وعراقياً، كانت دقيقة ومحكمة.

انتقل كوريسماكي في أفلامه الأخيرة إلى الهجرة والحالة الاجتماعية للمهاجرين، كما نرى في الفيلم السابق لهذا، «الملجأ» الذي شارك في مهرجان كان عام ٢٠١١ ونال جائزة ”الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين“، وهو فيلم تناول حكاية طفل مهاجر سراً إلى فرنسا، إنّما كان كل ما سبقه تقريباً أفلاماً تتناول مسائل اجتماعية محلية، تمسّ مواطنين أوروبيين فقراء وعاطلين عن العمل.

من أفلامه الأساسية التي يكتبها وينتجها ويخرجها كوريسماكي نفسه (وأحياناً يمنتجها)، نذكر «رجل بلا ماضٍ»، الذي نال الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي عام ٢٠٠٢، وهو واحد من ثلاثية اجتماعية تجري أحداثها في فنلندا، حيث الفقر الشديد ورحلات البحث عن عمل، الفيلمان الآخران هما «غيوم منجرفة» عام ١٩٩٦، و«أضواء في الغسق» عام ٢٠٠٦، وجميعها تنتقد الرأسمالية بشكلها المحلّي.

نضيف إليها فيلم «جوها»، ١٩٩٩، الصّامت المصوّر بالأبيض والأسود، والذي ينتقد فيه المجتمع المديني والاستهلاكي والحداثي مقابل الريفي البسيط. نذكر كذلك أفلام ثلاثية أخرى عن الطبقة العاملة الفقيرة في فنلندا، وهي «فتاة مصنع أعواد الثقاب» عام ١٩٩٠ و«آرييل» عام ١٩٨٨ و«ظلال في الجنة» عام ١٩٨٦.

لن تكفي هذه الأسطر للحديث عن مخرج استثنائي، إشكالي، متمرّد، لسينماه ميزاتها الخاصة، شكلاً وموضوعاً، من بينها اكتراثه بالآخرين فيها، بل هي للإشارة فقط إلى سينما مختلفة لمخرج صرّح قبل عام أنّه لن يصنع المزيد من الأفلام، وهو تمنٍّ بأن يتراجع عن تصريحه كما فعل قبله كين لوتش وعاد إلينا بفيلم، اجتماعي كذالك، نال عنه السعفة الذهبية عام ٢٠١٦، هو «أنا، دانييل بلايك».

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.