سينما
اكتب تعليقُا

«تعليم باريسيّ» للفرنسي جان بول سيفيراك

★★★★★

لنبدأ بالعنوان، فهذه الترجمة العربية هي عن العنوان الإنكليزي للفيلم، والذي كان لا بد أن يتغيّر عن الفرنسي لما في الأخير من دلالات لا تحملها الترجمة إلى لغات أخرى. فالعنوان الفرنسي هو «Mes provinciales»، مأخوذ عن كتاب من القرن السابع عشر للفرنسي باسكال اسمه «Les Provinciales» ما يعني أهالي الإقليم في فرنسا، أي كل ما هو في فرنسا وخارج منطقة باريس، ما يصعّب فكرة الحفاظ على العنوان الفرنسي إذ سيكون مفرغاً من مضمونه، أمّا الإحالة لباسكال فهي واحدة من إحالات ثقافية عدّة في الفيلم، ستكون هذه أهمها كونها أتت على العنوان، وكذلك تمت الإشارة لها إذ نشاهد الشخصية الرئيسية في الفيلم تقرأ الكتاب، وقد تكون الإحالة متعلّقة بفكرة أن المؤسسة التعليمية تقف حائلاً دون الروح النقدية والرومانسية للطلاب، هذا ما كان عموماً في كل من الكتاب والفيلم.

تجري أحداث الفيلم في باريس، بشخصيات كلّها إقليمية، أو كلّها أتت إلى العاصمة من مدن وقرى فرنسية، والفيلم يتمحور حول بطله، إيتيان، القادم من الريف ليتعلم في كلية السينما في العاصمة، والآخرون، الوافدون إلى المدينة كذلك، هم إما طلاب زملاء له أو شركاء له في السكن. في العاصمة، يعيش غربته لا كقادم من خارجها بل كعاشق للسينما أتاها ليتعلم النقد السينمائي وينجز فيلمه القصير الأول، هناك تصطدم أفكاره التحررية والرومانسية في ما يخص رؤيته للسينما بما يتعلّمه، وإن كان يلاقي تشجيعاً من مدرّسه، إنّما هو، وزميل آخر له سينتحر أخيراً، لا يجدان في الجامعة مكاناً يتعلمان منه السينما التي يريدانها، فالأول ينتحر والأخير، الشخصية الرئيسية، يهجر السينما والتعليم ويبدأ بالعمل في كتابة السيناريوهات في إحدى القنوات التلفزيونية حيث يكسب مالاً وفيراً كما قال، كما أنه يهجر عشيقاته ليعيش مع فتاة التقاها حين كان يتدرّب كطالب في إحدى تلك القنوات.

في الفيلم إحالات ثقافية عدّة، لرموز من السينما الإيطالية في بدايته إلى كتب عدة منها الكتاب النقدي للفيلسوف جيل دولوز «الصورة-الحركة»، إلى الموسيقى ومنها موسيقى باخ المترددة على طول الفيلم. وليس هذا وحسب ما أعطى الفيلم طابعاً ثقافياً، بل هنالك جانب أدبي فيه نلمسه في الحوارات، فهي ليست واقعية، وهذا بالمناسبة نسمعه داخل الفيلم نفسه، إذ يقول إيتيان لصديقه، وهو يصوّر فيلمه القصير الأول، بأنّه لا يريد للحوارات أن تكون واقعية، بل أدبية، وأن هذه هي رؤيته للسينما، كأنّه يتكلّم بلسان مخرج الفيلم، جان بول سيفيراك، الذي جعل من فيلمه عملاً جمالياً من جوانبه العدّة: الموسيقى الكلاسيكية والحوار الأدبي والإحالات السينمائية وكذلك التصوير بالأبيض والأسود مذكّراً، بكل ذلك، بالأفلام الأولى من ”الموجة الجديدة“ الفرنسية. وهذا كذلك ما يجعل إيتيان في أحد حوارات الفيلم يقول، مصححاً لصديقة، بأنّ الفيلم ليس صورة، فتسأله ما الفرق بين الصورة والفيلم ليخبرها أنّ الفرق كبير. الحوارات والموسيقى في هذا الفيلم كانت إشارة لما قيل فيه على لسان بطله.

والفيلم كذلك حسّي ورومانسي، هو حسي في مشاهده المقرّبة على أوجه الممثلين، بلونين، الأبيض والأسود، ندخل في ملامحها، دون تشويش الألوان، ندخل مباشرة في نظراتها، وهو حسّي في مشاهد الحب التي يؤديها إيتيان في عشيقاته. وهو رومانسي لا من حيث الصورة، كما كان حسياً، بل من حيث الأفكار والحوارات فيه، والمحاولات لخلق سينما جديدة، بحوارات فلسفية عن مفهوم السينما تدور بين الطلاب، قد يتمثّل ذلك في إجابة إيتيان لزميلة له تسأله ساخرة إن كان يريد أن يصنع سينما جديدة، فيجيب أنّه يريد أن يصنع سينما، وحسب.

هذا فيلم عن السينما، عن صناعة السينما، عن نقدها، محمَّلاً بجماليات أخرى من الأدب إلى الموسيقى، مستعيداً من خلال الشكل والمضمون كلاسيكيات إيطالية وروسية وغيرها. وإن كان كتاب باسكال رسائل تدافع عن النقد والحرية فإن هذا الفيلم رسالة حب إلى السينما، رسالة لا تخلو من أفكار تدافع عن النقد والحرية وعن السينما الجيدة والجميلة.

يأتي هذا الفيلم مكرّساً جان بول سيفيراك كأحد السينمائيين الفرنسيين المتميزين في جيله (مواليد ١٩٦٤)، بعد أفلام جيدة أخرى منها «صديقتي فيكتوريا» في ٢٠١٤ و«فتيات بالأسود» عام ٢٠١٠.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.