سينما
اكتب تعليقُا

«لا أحد يشاهد» للأرجنتينية جوليا سولومونوف

★★★★

يمكن للفيلم أن يكون عادياً، مسلّياً بالحد الأدنى، إذ لا التصوير والسينماتوغرافيا ولا السيناريو وأسلوب السرد ولا الحوارات يمكن أن تكون مميزة، ولا حتى رديئة، هنا نأتي إلى العادية في صناعة الفيلم، تكون الغاية غالباً من أفلام كهذه حيث تُقدّم الحكاية بشكل آمن وسلس، الوصول لأكبر عدد ممكن من المشاهدين، أي أن الغاية هي تقديم حكاية خفيفة لا يخرج منها المشاهد مردداً بأنّه لم يفهم شيئاً أو أنّ ”الفنّية“ في الفيلم أصابته بالملل أو أثقلت رأسه.

هذا هو الحال هنا، في فيلم الأرجنتينية جوليا سولومونوف، وإشارة خفيفة لذلك هو المكاني الذي صُوّر فيه هذا الفيلم، نيويورك، هو فيلم أرجنتيني لا نشاهد فيه مناطق من الأرجنتين إلا قليلة، في بداية الفيلم وآخره، حين يترك الشخصية الرئيسية، نيكو، بلده وحين يعود إليها. الفيلم بشكله كان أميركياً تماماً، فيلماً أميركياً خفيفاً إنّما من وجهة النّظر الأخرى، غير الأميركية، هذا واحد من اثنين مما يمكن أن يتميّز بهما هذا الفيلم الذي لا يضيره كثيراً أن يكون مسلياً ويبقى ضمن المناطق الآمنة في الحكاية والحوارات والتصوير.

الفيلم يحكي قصّة شاب أرجنتيني، قدم إلى نيويورك ملاحقاً حلمه في التمثيل، بعدما وقّع عقداً مع شركة وأتى على أساسه، تاركاً عمله في التمثيل في بوينس آيرس، في مسلسل ترفيهي إنّما معروف لدى الفئة الشعبية من اللاتينيين. في نيويورك نراه بادئاً حياته متفائلاً، يمضي الوقت في العمل الخفيف، يعتني بأطفال أصدقاء له مقابل مبلغ مالي زهيد، يقيم في بيت صديقة له، يجول الشوارع بالبسكليت، وينتظر رد الشركة ليبدأ مهنة حلم بها وترك بلده وعمَله هناك من أجلها.

لاحقاً سيعلم أن الشركة لم تعد تريده، فتبدأ حياته بالتراجع، نشاهد انعكاس ذلك على حالته النفسية كما في محاولاته للعمل في أي مجال، كأن يبيع أشجار عيد الميلاد آخر السنة. خلال الفيلم نشاهد الصعوبات التي يعاني منها كقادم إلى أميركا حيث الحلم وحيث أي قادم للتمثيل سيعتقد أنّه سيصير نجماً خلال سنوات قليلة. فكّر مراراً بالعودة إلى بلده إنّما أخيراً سيعود حين يضطر لذلك.

فالفيلم يطرح، وإن بخفّة، واحدة من الحكايات العديدة لأميركيين لاتينيين يهاجرون إلى الولايات المتحدة معتقدين أن أميركا أرض الأحلام. من خلال نيكو، الأرجنتيني الأشقر الذي يمنعه شقاره من أن يلعب دور شاب لاتيني في فيلم أميركي، فاللاتيني لا بد أن يكون أسمر في أفلامهم، من خلاله نعرف أكثر عن الصعوبات الثقافية والاجتماعية والمالية التي يمكن أن يعاني منها أي مهاجر إلى أميركا، وتحديداً اللاتينيين منهم، وتحديداً أكثر من يهاجر محمّلاً بحلم وردي عن أرض الأحلام!

المسألة الأخرى التي تميّز بها الفيلم هي طرحه للمثلية لا كقضية حقوقية حين يكون بطل الفيلم مثلياً ولا كحضور ثانوي للتنويع حين تكون إحدى الشخصيات الثانوية مثلية، حاضرة في الفيلم كمثلية لا كصديق/ة أو حبيب/ة أو قريب/ة أو زميل/ة.

البطل هنا مثليّ، وكذلك صديقته التي يشاركها بيتها، وتأتي مثليته هنا كأسلوب حياة غير مقحمة على سياق الفيلم، أي أنها أتت ضمن حكايته حيث لا يتقصّد الفيلم التركيز على هذه النقطة، وإن شمل مشاهد جنسية وحوارات مع حبيبه وعلاقاته الجانبية، إنّما لا تأتي لتكون مركزاً يحوم حولها الفيلم ”بهوَس“، إنّما كحياة عادية لشخصية عادية تمارس ما تحب على هامش هموم ذاتية هي البحث عن عمل يكون تحديداً في التمثيل، إضافة إلى مصاعب الحياة كأجنبي في أميركا، وهذه المصاعب والهموم يتشارك بها العديد، بغض النّظر عن ميولهم الجنسية، وهذه تُحسب للفيلم الذي قدّم الشخصية المثلية في سياق هموم مهاجر يبحث عن عمل وحياة هانئة، دون تصوير حياته الخاصة والحميمية كنوع من التلصّص يرضي المُشاهد.

الفيلم (Nobody’s Watching) المعروض حالياً في الصالات الفرنسية شارك في عدة مهرجانات من بينها ترايبيكا وزيوريخ السينمائيين، وسيني سيارا في البرازيل حيث نال جوائز أفضل فيلم وأفضل مونتاج وأفضل ممثل إضافة إلى جائزة النّقاد.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.