سينما
اكتب تعليقُا

«حسُّ نهاية» للهندي ريتيش بترا

★★

عديدة هي الأفلام التي تبدأ بسرد الحكاية، دون أحداث غير عادية، دون مفاجآت، إلى أن تصل لمرحلة فيها، في ما بعد الساعة الأولى منها، لتنقلب الحكاية، أو ليتغيّر فهمنا المسبق المطمئِن لما نشاهده، ونعيد تشكيل الحكاية، من مراحلها الأخيرة، لنستوعب مجدداً ما يحصل.

هذا الفيلم أحدها، إنّما دون ”صدمة“ كبيرة يسببها للمُشاهد، فحين يبدأ الفيلم بانعطافات في حبكته، بمستجدات في ما حصل ومن فعل ما، لا نشعر بابتعاد كبير عمّا حكاه لنا الفيلم في ساعته الأولى، بل ننتقل بهدوء إلى مرحلته الثانية مستوعبين ما هي الحكاية أساساً، ولمَ حصل ما حصل.

هذه تقنية يمكن أن تجعل الفيلم، أي فيلم، متميزاً من ناحية السرد، إنّما هي هنا كانت مخفّفة، فلم يُجهد المخرج نفسه للعب على أسلوب السرد في الفيلم، ربّما لما في ذلك من ”منفّرات“ لعموم المُشاهدين، وبالتالي عامل إنقاص في إيرادات الفيلم.

لا بأس، فلا يبدو أن الفيلم يقدّم نفسه كفيلم فنّي تجريبي يسعى للذهاب بعيداً في أساليب السرد وربّما التصوير، فهذه الأخيرة كانت عادية جداً، تماماً كما تحبّ شركات الإنتاج الكبرى أن تكون، خاصة لدى مخرجين لم يتكرّسوا أو لم يبنوا جمهورهم بعد، كحال مخرجنا هنا، ريتيش بترا، المخرج الهندي لهذا الفيلم البريطاني الأميركي. ونذكرُ هنا أن الفيلم الروائي الطويل الأوّل لبترا، «ذا لنشبوكس» وقد كان ممتازاً بالمقارنة مع فيلمه الثاني، هذا الذي نتناوله هنا.

للفيلم خطّان متوازيان، واحدهما يحكي عن الثاني، الخط الأول هو الزمن الحاضر، حيث نعيش مع توني، المتقاعد وصاحب محل تصليح الكاميرات، حاضره، والثاني هو ماضي توني، نعيشه من خلال ذكرات الرجل وأحاديثه. ويبدو أن الإشارات إلى ماضي توني، كمَشاهد تبني حكاية حاضره، تُفهمنا ما يحصل، وتؤسّس لما يحصل لتوني في حاضره، هي إشارات عديدة، تتعدى أحاديثه وذكرياته إلى تفاصيل حياته اليومية، الراهنة. من ذلك أنّه يعمل أساساً في تصليح كاميرات قديمة، ولا نرى أي زبائن لديه إلا واحداً، شاباً، فضولياً يشاهد الكاميرات القديمة مستغرباً، منها أنّه يعتني كثيراً بساعة يده التي ستتوقف في مرحلة ما في الفيلم، منها أنّه يسمع مراراً عبارة ”أهلاً بك في القرن العشرين“، منها أن ابنته ستقول له ذلك وهي تعطيه آيفونها، وقبلها حين تخبره أن لا أحد يكتب الرسائل بالبريد اليوم.

ما قالته كان إشارة باكرة لأمر فعله توني حين كان طالباً، وهو المحرّض الأساسي لكل ما نشاهده، فقد أرسل رسالة قاسية جداً لصديقته السابقة وصديق له عرف أنهما على علاقة، متمنياً لهما حياة بائسة، قائلاً بأنّه يؤمن بانتقام الزمن وأنّه سيرى ذلك في ابنهما. لاحقاً ينتحر صديقه دون أن نكون لا نحن ولا هو أكيدين بأن الانتحار كان بسبب الرسالة.

والفيلم الذي يدور حول الرسائل، يبدأ بها، إذ تصله رسالة من والدة صديقته تخبره فيها بأنّها تركت له دفتر يومياتها وأن عليه، وق توفّت مؤخراً، أن يراجع المحامية لذلك، تخبره المحامية أن لا شيء لديها، يتواصل مع صديقته السابقة ذاتها، ويعرف منها أنّها أحرقت اليوميات، لكن التركيز يتحوّل عن هذه الرسالة إلى تلك الأولى، تلك الشريرة التي كتبها يوماً، والتي، في لقاء في مقهى، أعادتها له وقرأها ووجد كم كان شريراً حينها، وصارت هذه الرسالة هي التي تحدّد تصرفاته، فواصل محاولاته للاعتذار منها، يلاحقها ويراقبها، ويجد أنّها ترافق شاباً بإعاقات عقلية، يظنّ-ونحن كذلك- أنّه ابنها وأن الإعاقة كانت نتيجة لأمنيته السابقة ولقوله بأنه يثق بالزمن الذي سينتقم له منهما، لكن لاحقاً بان أن الأمر ليس كذلك، وأن الانتقام لم يكن تماماً كما كان، مع غموض في المعطيات التي توحي بأنّه هو الذي كان أخيراً ضحية الزّمن.

أمّا نقل المَشاهد بين الزمنين، الحاضر والماضي، فكان متناوباً، بل كان هنالك عودة أكثر من مرّة لأكثر من مشهد ولقطة ليقدّمها المخرج لنا ضمن فهم جديد، مبني على ما فهمناه أخيراً من الحكاية، فنفهم أكثر ما نشاهده مرة ثانية وثالثة.

أدى البطولة في الفيلم جيم برودبينت، بدور توني، والرائعة شارلوت رامبليغ بدور صديقته السابقة، وقد كان مخيِّباً في الفيلم أن لا تظهر رامبليغ إلا ابتداء من النصف الثاني منه، وهي تتصدّر ملصق الفيلم. عُرض الفيلم (The Sense of an Ending) في مهرجان ”بالم سبرينغ“ السينمائي في كاليفورنيا، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.