سينما
اكتب تعليقُا

«سيڤيرينا» للبرازيلي فيليب هيرش

★★★

ليست مهرجانات السينما المحلية مناسَبة لاكتشاف عوالم وثقافات قد لا نعرف عنها الكثير، وحسب، كما هو الحال مع مهرجان السينما الفلسطينية في مدينة تولوز، حيث تكون نسبة لا بأس بها من الجمهور حاضرة للتعرّف على سينما لا تتيحها لها بهذه الكميّة المهرجانات الكبيرة، ولا تتيحها لها شركات التوزيع في بلدانها، فليس كل ما يُنتج في العالم يُعرض في الصالات الأجنبية، بل ليس كل ما يُعرض في المهرجانات العالمية الكبرى (كان وڤينيسيا وتورونتو وبرلين وغيرها) يجد مكاناً في الصالات الفرنسية، ضمن زحمة الأفلام الفرنسية والأفلام العالمية الحاصلة على جوائز من مهرجانات عدّة. يبقى لأحدنا هذه المهرجانات المعنية بثقافة أو بلد محددين، حيث يكون الانتماء الجغرافي للمخرج أو الفيلم هو الذي منح الفيلمَ الفرصةَ ليُعرض.

هذا الكلام ينطبق على الفيلم موضوع هذه الأسطر، وهو للبرازيلي فيليب هيرش، وقد شارك فيلمه في مهرجان لوكارنو السينمائي الأخير في سويسريا، إنّما لم يعنِ ذلك أنّ شركات التوزيع ستتيح له العروض في فرنسا، فكان أن شارك في مهرجان السينما الأميركية اللاتينية الأكبر خارج القارة «سينيلاتينو» في مدينة تولوز مؤخراً، وأتاح فرصة مشاهدته، كما أتاح واستحضر الفكرة أعلاه، وهي أنّ أفلاماً عدّة قد تكون بديعة، لا نعرف بها، لن نعرف بها لأنّ موزّعاً هنا أو هناك لم يجد أنّنا بحاجة لنعرف بها، أمّا المعيار الأساسي لديه في ذلك فهو مدى التذاكر التي قد يبيعها هذا الفيلم أو ذاك. وهنا، لا شكل الفيلم ولا موضوعه يمكن أن يكون محفّزاً لشركات التوزيع، في المغامرة به، فهو معمولٌ بأسلوب فنّي، وموضوعه هو فتاة تسرق الكتب وعلاقتها بصاحب مكتبة.

تجري معظم الأحداث في المكتبة التي يسكن صاحبها فوقها، في الأوروغواي. تدخل إليها صباحاً فتاة تتجوّل بين الكتب، تسرق كتاباً وتخرج، ينتبه هو إليها ويتركها، تعود الفتاة لتسرق آخر، يكلّمها، يُعجب بها، تسأله عن كتاب «الف ليلة وليلة» فيعتذر لعدم توفّره، تعود لاحقاً وتجد الكتاب بأجزائه مرتّبة على إحدى الطاولات، وقد كتب على الصفحة الأولى منه ”ما اسمك؟“.

تنشأ علاقة بين الاثنين، يدعوها إلى سهرة يقيمها في المكتبة، يغادر الجميع إلا هي، يمارسان الحب، تقوى العلاقة بينهما ونعرف، من خلال ذلك ومن خلال أحاديثهما، عن غرابة الفتاة، إذ لا تبدو واقعية، ولن نكون أكيدين من كل ما تقوله عن نفسها، اسمها وأين تعيش، وعن الرجل الذي يسكن معها، إن كان أباها أم صديقها، لا نحن كمشاهدين ولا هو صاحب المكتبة، فهنالك تماه يكون بين المُشاهد والرّجل، هو الشخصية التي من خلالها نعرف، كمشاهدين، بما يحصل، والفتاة، سيڤيرينا، تبقى خارجية لنا، كما هي بالنسبة له. تلقّينا لما يقدّمه الفيلم يكون من خلال إدراكه وعينيه هو، إشارة إلى ذلك يكون من خلال الخلفية الصوتية التي تروي لنا، بشكل ذاتي جداً، بصوته، عمّا يحصل وعن من هذا ومن ذاك، تروي لنا ما يفكّر به تجاه الفتاة وما يشعر به. أمّا هي، فتدخل الفيلمَ وتدخل حياته كما تخرج منهما، غريبة وغامضة وتسرق إضافة للكتب التي لا ترجعها، وقتَه وذهنه وقد كان يملأهما بالقراءة في مكتبته.

يعرف أنّها تسرق كذلك من مكتبات أخرى، فيُصاب بنوع من الغيرة، يشعر أنّه بالنسبة لها مجرد صاحب مكتبة تسرق منها كما تفعل مع غيرها، يحاول البحث عنها والتعرّف إليها أكثر، إنّما لا تكف عن الاختفاء. أخيراً تختفي خارج الأوروغواي ليعود أبوها/صديقها يوماً ويخبره بأنّه سيدفع له تكلفة سرقاتها وأنّها، الفتاة، قد اختفت.

يقرّر صاحب المكتبة بيع مكتبته، بما فيها، والتفرّغ للكتابة، قائلاً بأنّه لطالما أراد كتابة رواية وأنّه إن لم يفعل الآن متى سيفعل.

في الفيلم (severina) أحداث تفصيلية أخرى، لن أسردها هنا تاركاً احتمال أن يجد القارئ فرصة لمشاهدة فيلم بديع كهذا، بديع شكلاً ومضموناً.

اللقطات من خلف الزجاج، الإضاءة والظل، اللقطات المقربة، المشاهد الصباحية عند الفجر، ديكور المكتبة، مواقع التصوير خارجها، كلّها كانت لوحات جمالية كان للخلفية المسرحيّة للمخرج أثراً واضحاً عليها، من خلال كل تفصيل مشغول عليه. كل زاوية في إطار الصورة كانت ممتلئة.

لا نعرف أخيراً من بين ما شاهدناه أيّها أحداث حقيقية (ذكريات) وأيّها متخيّلة، فالفيلم هو (كذلك) رواية صاحب المكتبة عن سيڤيرينا، الفتاة السارقة (استطاعت سرقة نسخة أصلية من مكتبة بورخيس في بونيس آيرس عليها ملاحظاته) التي من أجلها قرّر أن يتخلى عن المكتبة التي عرّفته عليه ويكتب حكايتها، أو حكايتهما.

ما نعرفه عنها هو أنّها تسرق الكتب، وحسب، حتى اسمها لم يعرفه أحدنا، لا نحن ولا صاحب المكتبة (الكاتب)، كما أنّها تحمل جوازات سفر عدّة ومزوّرة، وفي لحظة ما تورّطه في جريمة قتل، كل ذلك يمكن أو يوحي بأنّ الفيلم هو رواية صاحب المكتبة وليس حياته الواقعية، وإن لم يكن ذلك ليغيّر كثيراً في تلقّي المُشاهد للفيلم. قد تكون سيڤيرينا شخصية روائية لدى الكاتب، كما أنّها شخصية روائية/سينمائية لدى مخرج الفيلم ومُشاهده.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s