سينما
اكتب تعليقُا

«شكل الماء» للمكسيكي غييرمو ديل تورو

★★★★

يمكن القول أن هذا الفيلم جمع ما بين النخبوية والجماهيرية، أو أنّه جمع ما بين التقييمات العالية للنقاد والحضور الكثيف على شبابيك التذاكر. وتركيبته الغريبة، شكلاً ومضموناً، هو ما أهّله لذلك، لكن الإشارة الأوضح لهذا الرأي، وهي نتيجة للتركيبة تلك، هو نيله لاثنين من بين أعلى جوائز السينما في العالم، والجائزتان لا تشبهان بعضهما، أو الأفلام التي نالت واحدة منهما لا تشبه تلك التي نالت الأخرى: الأسد الذهبي في مهرجان ڤينيسيا السينمائي، حيث الأفلام النخبوية/الفنية قبل غيرها، وأوسكار أفضل فيلم، في حفل الأكاديمية، حيث الأفلام الجماهيرية/التجارية. الإشارات لهذه وتلك، لما تُعنى به كل جائزة، واضحة في الفيلم، من حيث السيناريو أولاً والتصوير ثانياً.

يجمع الفيلم بين الفانتازيا، والحكايات الشعبية، وقصة الحب، والخيال العلمي، وكذلك الواقع من خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي إذ تجري أحداثه في بالتيمور الأميركية في ستينيات القرن الماضي، وبفنّية بصرية بارزة جمع تلك ”المتناقضات“.

ترتكز الحكاية على العنصر الأساسي في الحكايات الشعبية: علاقة حب بين رجل وامرأة من وسطين مختلفين، فهي، لذلك، لن تكون حكاية حب عادية أو دون مصاعب حتميّة. إليزا (سالي كاوكينز)، عاملة نظافة بكماء، في مركز بحوث أميركي، تعرف بوجود مخلوق غريب تم جلبه إلى المركز، مخلوق برمائي أقرب ليكون وحشاً، مربّط بسلاسة، يُعذَّب وتُجرى عليه التّجارب، الجميع إمّا يخافه أو يعذّبه، أو يبحث في كيفية استخدامه ضدّ السوڤييت، هي الوحيدة التي حاولت التقرّب منه، فقدّمت له بيضه، علّمته كيف يقول ”بيضة“ بلغة الإشارة، وتدريجياً تبني علاقة صداقة معه، تحضر له الطعام خلسة، في وقت يقوم مسؤول عن المركز له رتبة عسكريّة بتعذيبه.

تحاول إليزا تهريبه من المركز، تنجح في ذلك بمساعدة عميل سوڤييتي يقوم بدور طبيب فيه، كان يرفض عمليات التعذيب ويسعى لاستخدام المخلوق لتجارب علمية. تنجح في إخراجه وتخبئه في بيتها، تملئ حوض الحمّام بالماء وتضع فيه مسحوقاً وفّره لها الطبيب، ليبقى فيه المخلوق إلى أن ينزل المطر فتستطيع نقله إلى قناة تصل إلى البحر فيعود إلى بيئته.

في بيتها تتحوّل علاقة الصداقة والعطف إلى رغبة جنسية وحب، والجنس هنا إضافة واضحة إلى جانب الحكاية الشعبية في الفيلم، حيث يبقى الجنس مكتوماً أو مغيَّباً في هذه الحكايات. هنا، بدأ الحب بالجنس، منذ أحضرته إلى بيتها. وفي بداية الفيلم، بمشاهد مكرّرة، تمهيد لذلك حين تبدأ الامرأة الوحيدة كل صباح بممارسة العادة السرية في حوض حمّامها قبل ذهابها للعمل. ينزل المطر في وقت كانت قد أقامت علاقتها مسبقاً مع هذا المخلوق، فتتردد في نقله، وبمساعدة جارها العجوز ستصل لقرار، ومن هناك تتطوّر الحكاية لتكون فعلاً أقرب للحكايات الفانتازية بعناصر الحكاية الواقعية.

أمّا الشكل، الأسلوب، فقد بدأ وانتهى بصوت من خارج الشاشة، (ڤويس أوڤر)، كأنّ أحدهم يحكي لنا الحكاية، بـ ”كان يا مكان…“ مقدّماً لهذا الخيال العلمي والحرب الباردة وحكاية الحب شكلاً حكائياً أقرب للقصص الشعبية كـ ”الجميلة والوحش“ وهي كذلك هنا، إنّما لم تكن إليزا جميلة، بل كانت عاملة نظافة بكماء بجمال متواضع جداً، وكان هو فعلاً وحشاً، لم يكن أميراً سُحر ليكون وحشاً، وهذا ما جعل الفيلم واقعياً تماماً كما هو رومانسي، وهذا ما أضفى تعقيداً آخر له ضمن خلطة التعقيدات والمتناقضات فيه.

أما الحضور البارز للون الأخضر: المياه والديكورات والملابس والفلتر والإضاءة وحتى لون الوحش ذاته، فقد أضاف هويّة لونيّة/مائيّة للفيلم خلق له أجواء خاصة.

الفيلم المعروض حالياً في الصالات الفرنسية والذي شارك في مهرجان تورونتو الأخير كذلك، نال، إضافة إلى الأسد الذهبي وأوسكار أفضل فيلم، العديد من الجوائز من بينها أوسكار أفضل مخرج وأفضل موسيقى. وهو إضافة نوعيّة لسيرة ديل تورو الفيلميّة التي مالت معظمها للتجارية مبتعدة عن الفنّية، قد يكون أفضلها (أقلّها تجارية) «پانز لابيرنيث»، إلا أنّها جميعها خاضت في عوالم الفانتازيا والخيال العلمي.

قد يكون هذا الفيلم الجيّد (The Shape of Water) مُبالغاً في تقييمه، أو في منحه جائزتين عالميتين هامتين، قد تكون جائزة الأوسكار هي الأنسب له، وليس الأسد الذهبي، فهو يشبه أفلاماً أخرى نالت الأولى وليس تلك الفنّية التي نالت الثانية. يبقى الفيلم من بين التجارية إنّما من بين أفضلها، أي الأقرب للفنية من بينها.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.