سينما
اكتب تعليقُا

«ذا بوست» للأميركي ستيفن سبيلبرغ

★★★★★

يمكن الحديث عن الفيلم من أكثر من زاوية: هو من ناحية فيلم هوليووديّ بامتياز، له عناصر ”ميلودرامية“ ومَشاهد متوقَّعة وانزياحات مكشوفة عن سير القصة الأولى فيه. ومن ناحية أخرى له رسالة صحافية وسياسية قد ”تعوّض“ الاستسهال في الكيفية التي نُقلت بها حكايته.

الأول معنيّ بالشكل والثاني بالمضمون. لكن قد لا يضير الشكل كثيراً بالمضمون هنا، فلا يتوقّع أحدنا فيلماً فنّياً أو تجريبياً أو معنياً بالجماليات، السردية والسينماتوغرافية، من أحد رموز هوليوود، ستيفن سبيلبرغ. فلم يكن هنالك اشتغال على الشكل، كأنّ التصوير جاء أوتوماتيكياً، من فريق تقني يعرف مسبقاً ما سيفعله، وهو مماثل للعديد من الأفلام الأخرى، في المجال ذاته. فالفيلم شبيه جداً، من حيث الشّكل والتصوير والأجواء وحتى سير تطوّر الحكاية الجارية بمعظمها في مكاتب الصحيفة، شبيه بالفيلم الذي نال أوسكار أفضل فيلم وأفضل سيناريو عام ٢٠١٥، «سبوتلايت» (أحد كاتبَي سيناريو الفيلم شارك في كتابة «سبوتلايت» كذلك).

أما المضمون، وهنا تكمن أهمية الفيلم، فأتى معاصراً تماماً، إذ لا يمكن فصله عمّا تشهده رئاسة دونالد ترامب اليوم، بتهديداته بالحرب هنا وهناك بين وقت وآخر، وتحديداً لعلاقاته المتوترة، أو العدائية، مع الشبكات الإعلامية والمؤسسات الصحافية في أميركا.

فالفيلم يحكي عن نشر صحيفة ”الواشنطن بوست“ ”أوراق البنتاغون“، وهو اسم القضية التي فضحت سياسة الولايات المتحدة في فيتنام خلال ٣٠ عاماً خدعت فيها الشعب الأميركي. فيبدأ الفيلم بلقطات من حرب فيتنام في الستينيات، نشاهد أحد العاملين الديبلوماسيين يصوّر وثائق تخص الحرب. ومنه ينتقل الفيلم إلى واشنطن بعد سنوات قليلة، تحديداً إلى مكاتب الصحيفة التي لا تتمتع بعلاقات طيبة مع الرئيس الأميركي آنذاك، ريتشارد نيكسون.

ندخل من البداية إلى عوالم الصحافة والمنافسة بين الصحيفة وبين ”نيويورك تايمز“ المتقدّمة دائماً. تحصل ”التايمز“ على نسخة من الوثائق لكن القضاء يمنعها من نشرها، فتحصل عليها ”البوست“ من المصدر ذاته، وهو من صوّر الوثائق قبل سنوات، وتقرّر نشرها بعد تردد ونقاشات كانت هي ذروة الفيلم، تنشرها أخيراً وتحظى بحماية المجتمع والصحافة وتبرئة القضاء وبالتالي بعداء أكبر من نيكسون.

للفيلم رسالة سياسية تخص خداع الإدارات الأميركية المتعاقبة لأربعة رؤساء على الشعب، لسبب بسيط تبيّن في الفيلم وهو أنّهم لم يريدوا أن يُهانوا، فإن خرج الجيش الأميركي من فيتنام في أي لحظة خلال السنوات تلك سيكون خروج المهان، هذا ما قاله الديبلوماسي الذي صوّر الوثائق لصحافي ”البوست“ مشيراً إلى إحدى الوثائق، بأنه كان يمكن للجيش الأميركي أن يخرج باكراً لكنّه واصل إرسال الجنود ليموتوا هناك وعلى مدى سنين كي لا تُهان الإدارة الأميركية!

يمكن لهذه المقولة أن تلخّص الرسالة السياسية للفيلم، أما رسالته الصحافية فيمكن تلخيصها بمقوله أخرى أتت على لسان محرّر ”البوست“ (توم هانكس) وذلك بأنّ ”الطريقة الوحيدة لحماية الحق في النّشر هو النشر“. وهذا ما تم، إذ غامرت ناشرة الصحيفة كاثرين غراهام (ميريل ستريب) بالقرار بنشر الوثائق، بعد ضغوط من الجهات المالية التي تقول بأن الجريدة ستخسر البنوكَ المساهمة بها، وبين الجهة الصحافية التي يمثلها هنا المحرر، الذي يقول بأنّ الجريدة ستخسر اسمها حين يعرف الناس لاحقاً أنّها امتلكت الوثائق ولم تنشرها.

كانت ذروة الفيلم في هذا القرار ثم العمل على تنفيذه، بلحظة تفريغ كلاسيكية لطالما استهلكتها هوليوود، ففي قمة التوتّر، أي في اللحظة التي كانت محاطة بمستشارين منهم من يريدها أن توافق ومنهم أن ترفض، تقرّر بكلمة، ثم تقول بأنّها الآن… ستذهب للنّوم. في عملية تفريغ لهذا التوتر لدى المُشاهد في مساحة ”كوميدية“ تفيد بأنّ الأمور حُلّت وأن للمُشاهد الآن أن يضحك بأمان. هذه تقنية تخص كتابة الفيلم وليس إخراجه، لكنّه مثال جيّد على مدى هوليووديّة الفيلم كتابةً وإخراجاً، وعلى مدى وفرة المَشاهد والحوارات والنتائج المتوقَّعة من فيلم كهذا. ينتهي الفيلم أخيراً بقرار المحكمة متحدثاً عن حريّة النشر في أميركا، مع تداخل بين الموسيقى المرفقة وموسيقى للنشيد الوطني الأميركي، وتصوير من أسفل لوجه الناطقة به، لإعطاء الصورة كما الصوت والكلمات، هيئة اللحظات العظيمة!

ليس للفيلم قيمة فنية جمالية، إنّما يمكن القول عنه بأنّه فيلم جيّد كهوليوودي، كفيلم لسبيلبرغ المعني أكثر في أفلامه الأخرى ”بالإبداعات“ التقنية والكمبيوترية. لذلك تبقى قيمة الفيلم محصورة في موضوعه، وفي سياقه التاريخي إذ لا يمكن مشاهدته بمعزل عن التفكير بساكن البيت الأبيض اليوم.

خرج الفيلم إلى الصالات الفرنسية مؤخراً وهو مرشّح للمنافسة على جائزتي أفضل فيلم وأفضل ممثلة في حفل الأوسكار القادم.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.