فنون
اكتب تعليقُا

الوثائقي «بيرسونا: الفيلم الذي أنقذ إينغمار بيرغمان»

الأفلام العظيمة فقط هي الجديرة بوثائقيات مكرّسة لها، وأحد هذه الأفلام هو الفيلم المفصلي في حياة السويدي إنغمار بيرغمان، «بيرسونا»، وهو الفيلم الذي تناوله الوثائقي الذي عرضته قناة ARTE مؤخراً، ذاكراً بأنّه مؤسّس للسينما الحديث، أنّ السينما الحديثة بدأت مع هذا الفيلم.

ندخل مع هذا العام مئويّة السينمائي السويدي، أحد الأعظم والأكثر تأثيراً في تاريخ السينما (١٩١٨-٢٠٠٧)، ويبدو أن الاحتفاء به قد بدأ مسبقاً بهذا الوثائقي الذي أُنتج قبل عامين وعُرض قبل أيام على القناة الثقافية الفرنسية الألمانية، بمشاركات من سينمائيين ونقّاد، وإحدى بطلتَي الفيلم وممثلاته الأثيرات: ليڤ أولمان.

يتركّز الوثائقي على الظروف التي سبقت ورافقت التصوير، بما فيها العملية الإبداعية لبيرغمان، كما على استثنائية الفيلم في مسيرة بيرغمان السينمائية والعديد من السينمائيين في العالم.

في ١٩٦٥، وفي قمّة مجده، مُحاطاً بأزمات وبشكوك دائمة تخصّ عمله، والعمل المتزاحم لديه بإخراجه لمسرحيات وأفلام بشكل سنوي، دخل المستشفى بحالته النفسية آنذاك، لثلاثة أشهر، ظاناً بأنّه لن يصنع المزيد من الأفلام، وقد أنجز إلى حينه العديد منها، ما تجاوز معدّل فيلمين بالسنة، ليست جميعها عظيمة إنّما كان من بينها ما يكفي ليجعل المخرج السويدي لحظتها أحد أعظم المخرجين، من بينها «وايلد ستراوبريز» و«ذا سيفنث سيل» وكلاهما عام ١٩٥٧، و«سمر ويذ مونيكا» عام ١٩٥٣. لكن في إحدى إجازاته من المستشفى، التقى صدفة بليڤ أولمان وبيبي أندرسون (البطلة الأخرى في الفيلم) وبطلة أفلام سابقة لبيرغمان، ولاحظ التشابه الشديد بين الامرأتين، وقال ذلك لهما، كما روته أولمان في الوثائقي، وخرج بفكرة الفيلم، في المستشفى، الذي يحكي عن الامرأتين المتماثلتين وتداخل نفسيتيهما ببعضيهما.

بدأ تصوير الفيلم في ستوكهولم لكنّه كان متوتّراً طوال الوقت مرجّحاً إمكانية التوقف عن التصوري والتخلي عن الفيلم بين لحظة وأخرى، إلى أن قرّر أن يجرّب الذهاب إلى جزيرة فارو، هناك حيث قال للفريق بأنّ هذا هو المكان الذي يريده لفيلمه.

يتجوّل الوثائقي بين الصّور والكواليس ويوميات بيرغمان، ومقابلات معه حكى فيها عن الفيلم وعن السينما كما يراها، إضافة إلى المداخلات التي شملت كذلك المخرج الفرنسي أرنو ديبلوشان، كأحد المعجبين بسينما بيرغمان، مانحاً أحد أعظم الأفلام في تاريخ السينما، بعضاً مما يستحقه، وقد أخرجه الفرنسي مانويل بلان.

«بيرسونا»

أُنتج الفيلم عام ١٩٦٦، وهو الفيلم الذي قال عنه بيرغمان بأنّه أنقذه (عنوان الوثائقي أعلاه مأخوذ عن هذه المقولة). ليس في الفيلم حكاية، فهو يبدأ بممثلة مسرحية معروفة، قرّرت أن تصمت تماماً، تدخل مستشفى لحالتها النفسية، تُنقل مع ممرضة  (ألما) إلى منتجع على الشاطئ، هناك، تبقى هي صامتة وتملأ الممرضة الوقتَ بالكلام، كنوع من الاعتناء بها. يدخل كلامها مساحات متنوعة وشاسعة لتجد نفسها تتماثل مع الأخرى.

في الفيلم تتطابق الامرأتيْن، تدخل إحداهما في الحالة النفسية للأخرى، ولبيرغمان لقطات وتقطيعات تُظهر ذلك. وهو فيلم يحوي إضافة إلى السيكولوجيا، بعداً روحياً، وهو من ناحية الأسلوب فيلماً تجريبياً كذلك، هنا المونتاج كان أداة أساسية: دمج الوجهين، تكسير إطارات الصورة، حرق الشريط، وغيرها من الصّور التي أظهرت تداخل النّفسيتين، أو تحديداً دخول الممرضة التي لا تكف عن الكلام فتبدأ بالحكي عن أسرارها، في نفسيّة المريضة الصامتة المستمعة المحتوية للأخرى.

وعنوان الفيلم أتى من مفردة اجترحها عالم النفس السويسري كارل يونغ الذي يرى في الكلمة تعبيراً عن ”قناع اجتماعي“ يقدّم فيه المرء ملامح ومشاعر للآخرين وهو كذلك مخفٍ للوجه الحقيقي خلفه. وهو ما يمكن أن يفسَّر كتلبّس للممرّضة وجهَ المريضة وتماهيها معها، إنّما بشكل تلقائي غير واعٍ أدّى إليه الكلام والإفصاح المتواصل.

في الفيلم عناصر شكّلت هذا الاضطراب النفسي لدى الممرضة، وليس المريضة، المتصاعد مع كلام الأولى وإنصات الأخيرة، عناصر تنقّلت من المثلية بين الاثنتين إلى مصّ الدّماء إلى استحضار لما هو خارجهما من خلال المونتاج، بشكل يذكّرنا بـ ”المونتاج الفكري“ لدى المخرج السوڤييتي أيزنشتاين، لا ليُدخل فكرةً ما في ذهن المُشاهد بل ليحرّض شعوراً من خلال تقاطع هذه الصّور. نسمعه يقول في إحدى مقابلاته أنّ المهم هنا، في هذا الفيلم، ليس الفهم بل الحصول على تجربة عاطفية.

الفيلم تجريبي، مونتاجاً وكذلك سيناريوهاً، حتى الموسيقى فيه كانت خاصة، غريبة، بعيدة عن الاستخدامات التقليدية لبيرغمان في أفلامه والتي كانت الموسيقى الكلاسيكية، الإحالات إلى صورٍ تاريخية في الفيلم، جنسية، كرتونية، منها إحالة إلى تشارلي تشابلين، كلّها أتت كعناصر غرائبية في السرد الذي ينقله الفيلمُ لمُشاهده. هذا وكلّه ليس بعيداً عن حالة الاضطراب النفسي الذي تعيشه لا المريضة، بل الممرضة. ولعلّ هذا ما يجعل الفيلم قابلاً للتأويل ولنقيضه في الوقت ذاته. لكن ما لا يمكن الاختلاف فيه هو أنّ «بيرسونا» كان في زمنه فيلماً تجريبياً وأنّه صار فيلماً كلاسيكياً، ولا يحصل ذلك إلا نادراً: أن يصير التجريبي كلاسيكياً.

عن الفيلم وإنقاذه له، قال بيرغمان: ”قلتُ يوماً أنّ بيرسونا أنقذني، لستُ أبالغ في ذلك، لو أنّي لم أجد القوّة لأصنع هذا الفيلم، لكنتُ بلا شك رجلاً منتهياً.“

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.