سينما
اكتب تعليقُا

«فانتوم ثريد» لبول توماس أندرسون

★★★★★

يُعدّ الأميركي أندرسون لدى الكثيرين أحد أفضل المخرجين الأميركيين الحاليين، وله رصيد كمّي ونوعي من الأفلام تكفي ليكون كذلك، خاصة وأنّه من جيل لاحق (٤٧ عاماً) لكبار المخرجين الحاليين هناك، كدايڤيد لينش ووودي ألن وفرانسيس فورد كوبولا وآخرين. فألام سابقة له كـ «إنهرينت ڤايس» و«ذا ماستر» و«بنتش درنك لوڤ» و«ماغنولياً» وغيرها (يمكن لجميع أفلامه أن تُذكر هنا) تكفي ليكون أحد الأفضل، أميركياً على الأقل، والأكثر ترقّباً، وأتى فيلمه الأخير ليثبّت مكانته هذه ويزيد إلى رصيده فيلماً ممتازاً آخر.

للفيلم قدرة على جعل الخيال واقعاً، قد لا يخطر لأحدنا وهو يشاهد الفيلم أن مصمّم الأزياء وودكوك شخصية مختلَقة تماماً، فللسيناريو الذي كتبه أندرسون نفسه، وللحكاية وشخصياتها، هيئة الواقعي، إنّما بأحداث أقرب لتكون خيالية، فاستفاد الفيلم من العالمين: الخيالي والواقعي، من الأوّل أخذ ذهاب الشخصيات إلى التطرف في سلوكها، ومن الثاني أخذ عناصر جعلت وقع الفيلم بشخصياته وسلوكها على المُشاهد -كحكاية بأحداث واقعية- أشدّ.

اللعب على عناصر الواقع والخيال هنا كان نقطة القوّة في فيلم أندرسون الأخير، فبحثٌ سريع على الإنترنت للتأكّد إن كانت الشخصية الرئيسية فعلاً خيالية، نجد أنّ آخرين تاهوا في هذه المساحة التي أُوجدت في الفيلم، سائلين إن وُجد السيد وودكوك حقاً، أو أنّه من اختلاق أندرسون.

لن يؤثّر ذلك على الأرضية التي بنى الفيلم عليها حكايته، وهي الخيال، خيال بدعّامات من الواقع، أولى هذه الدعامات هو شخصية رئيسية تكون مصمّم أزياء مشهور في مكان وزمان محدّدين: لندن والخمسينيات، والنتيجة تساؤل المُشاهد بين وقت وآخر عن إمكانية أن يكون الفيلم وشخصيته الرئيسية خيالاً تاماً أم سيرة ذاتية لمصمّم أزياء مجهول اكتشفه -ولم يختلقه- أندرسون لنا.

هي حكاية مصمم الأزياء الإنكليزي (أو مصمم أزياء إنكليزي، كي نبقى في الخيال) رينولدر وودكوك (دانييل داي لويس)، المهووس بالتفاصيل، المرفه والهادئ، الحريص جداً على أوقات الصّباح والإفطار كونها تؤسس لمزاجه وعمله باقي اليوم. يذهب إلى مطعم في الرّيف، يُعجب بالنادلة (ڤيكي كريبس)، يسألها إن وافقت على العشاء معه، يدخلان في علاقة، تعود معه إلى لندن، تعمل معه في قصره/مخيَطته حيث يصمّم ويعيش ويصنع الفساتين الراقية مع فريق من النساء، تعمل حبيبته معه كعارضة، وتبدأ الفوارق بين شخصيتيهما بالظهور كلّما دخلت علاقتهما مناطق أعمق في يومياتهما وجدالاتهما.

التناقض بين الاثنين يبدأ بالظهور على السطح مع تقدّم الفيلم، تناقضات يومية قد لا تكون ذات شأن لدى آخرين، كأن تُخرج هي أصواتاً أثناء تقطيعها الخبز أو تحريك الشاي أو غيره، وانزعاجه المُبالغ فيه من ذلك، مع الوقت يفضلان الانفصال، تقرّر أن تسمّمه بالفطر، إنّما بنسب قليلة فلا يموت، هنا يقترب الفيلم من ذروته وتبدأ الشخصيات بالتغيّر، تفعل هي ويمرض فتعتني به فيتعلّق بها فيقول لها، حالما يشفى، ولأول مرة، أنّه يحبها. مع الوقت يستعيد حالته الأولى وتعود له شخصيته المهووسة بالعمل وتفاصيله وغير المعنية بها كامرأة وعشيقة، فتقرر مجدداً تسميمه لتعتني به وتكسبه كعشيق من جديد.

لهذه القصة: تسميم العشيقة لعشيقها كي لا تخسره، بل تسميمه بنسب قليلة تجعله قريباً منها كما تريد، لا بعيداً بكامل عافيته ولا بعيداً ميّتاً، في ذلك أبعاد خيالية، بل متطرفة في خياليتها، أقرب للحكايات الفانتازية، تأسّست على عناصر واقعية، ما جعل الفيلم بهذه الخلطة، استثنائياً من بين ما تعوّد عليه المُشاهد من أفلام الحب أو أفلام الفنتازيا أو كذلك أفلام السيَر الذاتية، فليس هذا الفيلم أياً منها، بل هو خلطة تجمعها ثلاثتها.

هذا السّحر كلّه أتى من كتابة الفيلم، وهي لأندرسون، لكنه، أندرسون ذاته، كان المخرج وكان كذلك مدير التصوير، فحركات الكاميرا نزولاً وصعوداً، اللقطات المقرّبة على القماش، وعلى الأوجه، لحاق الكاميرا بالشخصيات، كلّها كانت جماليات تُضاف إلى الحكاية وسحرها، كانت الصور في الفيلم برهافة وودكوك نفسه وبتعلّقه ذاته بالتفاصيل، ويمكن أن نضيف إلى كل ذلك الحوارات الذكيّة التي يحفّزها التفاوت الاجتماعي والمزاجي بين الرجل والامرأة.

أتى الفيلم ليكون إنجازاً آخر لأندرسون، استحقّه دانييل داي لويس الذي أدى الدور الرئيسي فيه وكان هذا دوره الأخير قبل اعتزاله التمثيل، وهي التجربة الثانية له مع أندرسون بعد «ذير ويل بي بلود».

للفيلم، Phantom Thread، عدّة ترشيحات للأوسكار هذا العام، وقد خرج مؤخراً إلى الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.