سينما
اكتب تعليقُا

«آخر الرجال في حلب».. يوميات الخوذ البيضاء

★★

يبدأ الفيلم بأفراد من الدفاع المدني السوري في حلب رؤوسهم مرفوعة إلى السماء يراقبون الطيران الروسي يحلّق ويقصف، لا ليتجنّبوا مواقع القصف، بل ليتوجّهوا إليها.

كأي فيلم وثائقي، يكسب «آخر الرجال في حلب» ميزته الأساسية من موضوعه وشخصياته، ومن الحديث التلقائي لهذه الشخصيات (بلهجتهم الحلبية المحبّبة)، وهو فيلم البطولة فيه جماعية، لأفراد من الدفاع المدني السوري، المعروفين بأصحاب الخوذ البيض، المتوجّهين إلى حيث يغادر الناس، المتتبّعين للقذائف واللاحقين بها لينتشلوا من تحت الأنقاض مَن وما يستطيعونه. هم رجال نشاهدهم عَرَضاً في التقارير الإخبارية، يمرّون كأشباح فيها. في هذا الفيلم نُشاهد الحياة اليومية لبعضهم، نشاهدهم تحديداً في الأوقات التي لا يظهرون فيها في التقارير الإخبارية، نشاهدهم في الأوقات التي تفصل بين قصف وآخر، وعملية إنقاذ وأخرى.

ليست بطولة هؤلاء الأفراد في الوثائقي نمطيّة، ولا حتى هي رمزية بمعنى أنّ أحدهم يخاطر بحياته لإخراج طفل من تحت الأنقاض، وهذا ما يفعلونه، أو هذا ما كرّسوا أنفسهم لفعله بعدما اختاروا ألا يحملوا السلاح، فبطولة هؤلاء الواقعية سُحبت منهم في هذا الوثائقي، هم هنا سوريون عاديون، نعرف ما يفعلونه، إنّما، هنا، هم أناس بسطاء وليسوا أبطالاً، يمارسون حياة ابن مدينة محاصرة وتتعرّض للقصف، وهم أنفسهم يمكن بأيّة لحظة أن يكونوا العالقين تحت الأنقاض، يصرخون منادين من ينقذهم.

يمضي الوثائقي ونشاهدهم مراراً في الشوارع يراقبون الطيران بأعينهم، مرافقين ذلك بأحاديث عادية، بعضها مزاح وبعضها ذكريات عن قصف هنا أو هناك، كأنّ مرور الطيران من فوقهم ومراقبتهم له صار ممارسة يومية اعتادوها. يتحدّث أحدهم ورأسه إلى السماء تراقب، عن مرّةٍ ألقى فيها الطيران السوري براميل عدّة في أكثر من موقع، قائلاً ”لم نعد نعرف أين نذهب بأنفسنا“ لا يقصد هرباً، ولا تراجعاً، بل لحاقاً وتقدّماً.

حتى المقاتلين يتراجعون مع القصف، حتى المسلحين يضبّون أسلحتهم متى قصف الطيران، هذه ساحة لأصحاب الخوذ البيضاء، هنا تبدأ مهمتهم، حيث تنتهي مهام وربّما حيوات الآخرين.

يركّز الفيلم على إحدى شخصياته، كواحد من جماعة، أحد أعضاء الدفاع المدني الذي تحمل همومُه الشخصية وممارساته اليومية ومحادثاته الواتسابيّة مع ابنته، تحمل الخطَّ السردي للفيلم، تحمل مصائب المدينة، التي تتكرر على طوله، بقصف هنا وآخر هناك، تحمله، وهي تفاصيل فردية لواحد من فريق المنقذين، إنّما لا تبدو هذه التفاصيل هنا ”توافه“ مقابل المصاب في المحيط. هي هموم هذه الشخصية وأخرى غيرها في الفيلم، وأخرى عديدة خارجه، تأخذ قيمتها من كونها هموماً لحظيّة في سياق حصار وقصف.

رفع الرؤوس، النظر إلى السماء، مراقبة الطيران، صارت عادة يومية للجميع هناك، البعض يراقبها تحسّباً لذعر قادم وآخرون يراقبونها لتكهّن طريقها وموقع سقوط قذائفها وبراميلها فيبدؤون المهمّة الأكثر إنسانية الممكنة في مناطق صراع وحروب.

من أحاديث هؤلاء ”الفدائيين“، وقد تحلّق حولهم الأطفال والقطط أينما تواجدوا، نسمع القصص التي لا يحكيها سواهم، هم الأحياء وهم الأقرب إلى لحظات الموت.

من هؤلاء تأتي أحاديث حول اللحظات الأخيرة في حيوات آخرين، جيرانهم وأقاربهم وأبناء مدينتهم، حلب. في أحاديثهم أملٌ قد لا يعرفه غيرهم، تمسّكٌ بالحياة، إنصات لموّال حلبي مع كأس شاي حين لا يقصف النّظام، واعتمار خوذهم البيضاء والخروج مسرعين متى بدأ القصف.

الكاميرا في الوثائقي كانت شخصية أخرى فيه، كانت فرداً آخر من الدفاع المدني، مرافقة إياهم، زوايا تصوير موضوعية، تجاه أمكنة قد لا تكون بالضرورة الأنسب لتُصوَّر من بين ما نراه ونسمعه خارج إطار الصورة، لكنّها كانت الزوايا التي يمكن أن ينظر إليها أحد المتواجدين هناك. كانت الكاميرا فرداً آخر يتلفّت حيث يحلو له ويتابع الحديث الذي يعجبه، وكانت دائماً بينهم أثناء عمليات الإنقاذ، مع استخدام للموسيقى والإضاءة الطبيعية ما أضفى جمالية على السياق الوحشيّ الذي تصوّره الكاميرا، الترادف الأقسى بين الجماليّ والوحشي كان بـ ”إضاءات“ تسبّبت بها نيران القذائف.

الفيلم الذي أخرجه فراس فياض، ونال جائزة أفضل وثائقي عالمي في مهرجان سندانس للسينما المستقلة، ثم ترشّح لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي، فرصة أخرى للإخبار  بتضحيات أفراد الخوذ البيضاء، ليس عبر تقارير إخبارية تحكي عن قصف أتى بهم إلى كاميرات الشبكات التلفزيونية، بل عبر وثائقيات تحكي عنهم هم كأبطال عاديين أمام كاميراتهم، أبطال عاديين في سياقات غير عادية، وكأناس لهم حيواتهم الخاصة قبل القصف وبعده.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.