سينما
اكتب تعليقُا

«ووندر ويل» للأميركي وودي ألن

★★★★★

لعلّ مُشاهد أفلام المخرج الأميركي وودي ألن يذكر ذلك الطفل في واحد من أهم أفلامه، «آني هول»، الطفل الذي كانته الشخصية الرئيسية فيه، وهو وودي ألن ذاته، في فيلم شبه سيَري. يذهب ألن بحبيبته آني إلى البيت ليريها مكان طفولته، مع مشاهد استعادية لها، البيت كان بلصق ”مدينة ملاهي“. كانت مشاهد عابرة في الفيلم، إنّما بقيت عالقة في ذهن ألن ليَخرج منها بفيلمه الأخير، «ووندر ويل»، حين نشاهد طفلاً شبيها بالسابق، غريب الأطوار ويغيب عن مدرسته لشاهد أفلاماً في السينما.

ولعلّ المُشاهد كذلك لا يفوته الأسلوب السردي لألن في فيلمه الأخير المطابق لما هو في فيلمه المذكور، إذ يبدأ الفيلم بإحدى الشخصيات تُخاطب الكاميرا مباشرة وتبدأ في تقديم الحكاية للمُشاهدين، متخلّلة، بروايتها، الأحداث التي نُشاهدها، والراوي هو شخصية أساسية في الأحداث كذلك: المنقذ على شاطئ ”كوني آيلاند“ في نيويورك.

فيلمه الذي نزل إلى الصالات الفرنسية قبل أيام، وكان فيلم الختام لمهرجان نيويورك السينمائي الأخير، هو أقرب ليكون فيلم مرحلة جديدة لدى ألن الذي بلغ ٨٢ من عمره، فمن المعروف أن للرجل مراحل أمكن أن تكون ”عشريّة“ تتشابه أفلامه فيها من ناحية الشكل والمضمون، ونحن هنا أمام فيلم مختلف تماماً عن أفلامه الأخيرة، ”العديدة الأخيرة“ لنقُل، كونه يُخرج/يَخرج لنا فيلماً/بفيلمٍ كلّ عام.

الفيلم، بخلاف تلك الأخيرة، اعتمد على الناحية السينماتوغرافية فيه وليس الحكائية، أي على الصورة وليس على السرد، على الكاميرا وليس على آلته الكاتبة. فمعروف أن اهتمام ألن الأساسي يصبّ في الحبكة، هي ما تأخذ جلّ تركيزه في مراحل صناعة فيلمه، فلكتابته مكانة أساسية فيه، يوليها ألن ذاته الذي لا يقدّم أفلامه إلى كـ ”كتابة وإخراج وودي ألن“، كما أنّه كلّما تحدّث عن أفلامه نالت ”كتابته لأفلامه“ مساحة مزاحمة لتلك التي تناله ”تصويره لها“، عدا عن أن الكتّاب كشخصيّات، هي أبطال ألن الأثيرين في أفلامه بمراحلها المتعددة.

ولأنّ العديد من أفلامه تركّزت على حبكة لجريمة ما (أفلام ”نْوار“ ألنيّة)، كان لا بد للكتابة، سيناريو وحوارات، أن تأخذ مساحتها المركزية في صناعة الفيلم، إلا أنّه هنا، في فيلمه الأخير، أتى بحكاية أبسط وبتركيز أساسي ومبهر على الصورة، وهو ما يمكن أن يشكّل انقطاعاً يحمل ملامح الاستمرارية لأفلامه السابقة.

من الصّعب أن يعجب الفيلمُ مُشاهدَ وودي ألن الآتي متوقّعاً لما يمكن أن يشاهده، تلك المُشاهدة المطمَئنّة إلى فيلم جديد لألن يكون بتصوير جيّد إنّما مُتعوَّد عليه وعادي، وحكاية بألغاز لمتابعة حلّ إحدى الشخصيات لها، أي باعتماد أساسي للفيلم على السيناريو. هنا اختلف الأمر، فالحكاية هي البسيطة، العادية: نيويورك، الخمسينيات، رجل وزوجته يعيشان مع طفلها في بيت داخل مدينة الملاهي، حيث يعمل هو على إحدى الألعاب وهي في مقهى، تأتي إليها ابنته التي هجرته منذ سنين لتتزوج من رجل عصابات. تتعرّف الزوجة على المنقذ، تتعرف عليه بعدها الابنة، تغار الأولى من الأخيرة، للزوج العصبي مشاكل مع زوجته وطفلها وابنته التي تبحث العصابة عنها وتخطفها.

الفيلم الألنيّ النمطي (المعتمد على الحكاية) قد يبدأ من هنا، من حيث ينتهي هذا الفيلم، من خطف الابنة وعملية البحث عنها، التي يمكن أن تقوم بها العائلة ما يستدعي مفارقات كوميدية. إنّما، في مرحلته الجديدة كما يبدو، ينتهي الفيلم حيث كانت تبدأ أفلامه السابقة، فلا معنى للحكاية هنا، إنما الميزة الألنية الجديدة هي الصّورة والألوان والإضاءات والديكورات.

كي يلعب ألن بالألوان وإضاءاتها كان الأنسب أن تجري الأحداث في مدينة الملاهي، حيث أضواء النيون السّاطعة ليلاً، والألوان الموزّعة على الديكورات نهاراً، تملأ الإطار داخلةً عليه من خارجه، منعكسة على محتواه، على أوجه شخصياته تحديداً. منتقلة بين الأحمر والأزرق والوردي، والأصفر تحديداً، على أوجه الشخصيات في أحاديثها وانفعالاتها، فبدت الأضواء استجابات لهذه الانفعالات. حتى الشمس في غروبها كانت إضاءة موظَّفة في الفيلم.

للفيلم، Wonder Wheel، كمعظم أفلام ألن، إحالات ثقافية، فالمنقذ يتمنى أن يكون كاتباً مسرحياً، يهدي الفتاة كتاباً، يحكي للامرأتين عن أوجين أونيل وهاملت وأوديب، لكن الحضور الثقافي هنا انحصر بالمسرح -والسينما بنسبة أقل من خلال الطفل- فكان الأداء مسرحياً حين تكون النقاشات في أوجها، بشكل قصديّ واضح، مع إضاءات خارجية، من نيونات الأجهزة والألعاب متخللةً النوافذ، تقوم مقام إضاءات المسرح، المتنقلة من وجه إلى آخر، والمتفاعلة مع مضمون الحوارات والشكل الذي تُقال به.

من يتوقّع من وودي ألن أفلاماً تماثل قمّته السينمائية في سبعينيات (وبنسبة أقل ثمانينيات) القرن الماضي فلن يتوقف عن الشكوى من كل فيلم جديد له، ومن يتوقّع من ألن فيلماً من موضوعات وأساليب أفلامه الأخيرة لن يعجبه هذا الفيلم.

هذا فيلم لا يشبه أياً من أفلام ألن الأخيرة، وهو من بين أفضلها، إنّما -وهذا الجديد- الفضل في ذلك يعود للصورة لا للحكاية، بخلاف ما تعودناه منه. وذلك إضافة إلى الأداء البديع لكايت وينسلت في دور الزّوجة (ذكّرنا بأداء كايت بلانشيت في «بلو جاسزمين»، كما أن الشخصيتين تذكّران ببعضهما).

التلقّي الأنسب لهذا الفيلم يكون بسحب كل التوقعات المسبقة من الفيلم الجديد لألن (أي فيلم جديد)، ومشاهدته كفيلم تأسيسي لمرحلة جديدة له، حيث تكون المتعة البصرية، وليس الحكاية، الاعتبار الأوّلي للتلقّي.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.