سينما
تعليقان 2

«قضية رقم ٢٣» أو كيف تُكرِّه بالفلسطينيين

★★★★

دار الكثير من الحديث عن فيلم اللبناني زياد دويري «قضية رقم ٢٣»، أو بعنوانه الإنكليزي/الفرنسي «الإهانة»، وهو عنوان مضلّل، فالفيلم لا يدور حول الإهانة بل حول ما كانت الإهانة مقدّمةً له، وهذه هي النقطة الأساسية التي ستتركّز عليها هذه المقالة لتقول بأنّ الفيلم ليس كما كتب عنه بعض منتقديه سياسياً بأنّه ”جيّد فنياً“، مانحين القارئ فرصة ”موضوعية“ يتلقى بها رأيهم السياسي بالفيلم بما يمكن أن يبدو أكثر مصداقية. وهذا بالمناسبة أسلوب الفيلم في الحديث عن شخصيّتيه الرئيسيتين، إذ يقدّم لنا أحدهما كشرّير ثم يحرّره من شرّه ويبرّره، فيَسهل تصديق المُشاهد للفيلم حين يصير الشرير بطلاً. أي تقديم صورة سلبية مختصرة تستبق الصورةَ الإيجابية الموسَّعة.

لن يهمّنا هنا، إذن، الجانب السياسي للفيلم، أو الموقف السياسي لمخرجه، هذا شأنه وشأن منتقديه هو وفيلمَيه الأخيرين لأسباب سياسية (تتمحور حول تصوير الفلسطيني كشرّير)، وأنا من بين هؤلاء بكل الأحوال إنّما ليس في الحديث عن الفيلم كفيلم، أي ليس في هذه الأسطر.

في الفيلم مستويان يمهّد أحدهما للآخر، الأوّل وهو مقدّمة لما يريد الفيلم إيصاله، هو الإهانة. إهانة ياسر، العامل الفلسطيني، لطوني، اللبناني الذي يعتبر سمير جعجع وبشير الجميّل بطلَين وطنيين. الإهانة كانت كلمة ”عرص“، والسبب أن طوني أعاق ياسر عن عمله، تطوّر الأمر ليهين طوني ياسرَ فيضربه الأخيرُ على صدره، هنا يتأزّم الوضع ويدخل الفيلمُ جلسات طويلة في المَحاكم، فهو ”فيلم مَحاكم“ حيث تكون القاعةُ المكانَ الأساسي الذي تجري فيه أحداث الفيلم، وعن هذه الأفلام يمكن القول أنّها تفتح مجالاً واسعاً لتشويق مبني على الكلام ومحاولة الإقناع، إقناع المُشاهد قبل القاضي، بغضّ النّظر عن صحّة الكلام في المرافعات، وكذلك على الانتهاء أخيراً بحكم أخلاقي بين المتخاصمَين تكتمل صورة أحدهما كشرير -أو الشرير- والآخر كالخيّر، دون أن يكون ذلك مقترناً بالضرورة بحكم المحكمة، وهذا عنصر أساسي لا بد من إدراكه لفهمٍ أفضل لهذا الفيلم.

الإهانة -أو القضية رقم ٢٣- كانت إذن إهانة/قضية راهنة حدثت بين اثنين يحمل التاريخ بينهما إرثاً عتيقاً ممتداً من الحرب الأهلية اللبنانية، وتحديداً من المعركة التي جرت في قرية الدامور المسيحية عام ١٩٧٦، وتحوّلت إلى مجزرة. وهذه غاية الفيلم: الدامور (وليس الإهانة).

يبدأ الفيلم -بدقائقه الأولى- برغبة زوجة طوني في العودة إلى الدامور، قائلة بأنه تم ترميم الكنيسة هناك وأن البطريرك باركها، ليردّ عليها زوجها بحزم رافضاً العودة. بعدها يُدخِل الفيلم ”الجينيريك“ -موسيقى وأسماء الممثلين والعاملين ومساحة للمُشاهد كي تعلق الصنّارة في ذهنه، ليفكّر في سبب الرد الحازم لطوني الذي كان قبل لحظات يمازح زوجته، ليثبّت هذه الكلمة/اسم العلم/الدامور في ذهنه. سيُبعد دويري المُشاهدَ عن الدامور لفترة بعدها، يُدخله في إهانة وقضية رقمها ٢٣ وماسورة ماء ومرافعات، وتعود بالمُشاهد أخيراً إلى الأساس الذي بدأ عليه الفيلم: مجزرة الدامور.

لكن ليست هذه اللفة مجانيّة، فالغاية منها هو ”تطعيم“ المُشاهد ضد النّفور من طوني الذي بان كشرير في النصف الأول من الفيلم. ”تطعيمه“ بمعنى أن يكرّه الفيلمُ المُشاهدَ بطوني لأسباب عدّة إنّما فرديّة بحتة، لا تتعداه، ثمّ، حين يلتفّ الفيلم على شخصياته وتنقلب معادلة الشرير/الخيّر ليصير كل واحد منهما الآخر إنّما بالمعنى الجمعي، يصعب على المُشاهد الذي نفر من طوني أولاً ثمّ تعاطف معه، أن يعود لينفر منه ثانياً بعدما جرّب ذلك في النصف الأول من الفيلم وتنازل عنه حين أدرك خلفيات الإهانة/القضية وهي سياسية تاريخية تجرّ هذا التعاطف إلى حدث تاريخي يجعل المُشاهد يعيد استيعابه لطوني إنّما كجزء من جماعة تعرّضت لمجزرة، فيكون، كجزء من هذه الجماعة، مبَرَّراً له سلوكه كفرد، وذلك بتبيان ”المصيبة“ الجمعية التي تعرّض لها، والتي تبرر سلوكه، والتي تجرّ أخيراً للتعاطف معه، والتي، بحسابات أبعد، تبرّر سلوك الجماعة ذاتها بارتكابات لمجازر سبقت الدامور ولحقتها.

فما أراده دويري هنا هو شحن المُشاهد بالكره تجاه طوني، كفرد، ثم تفكيك هذا الكره الذي سيتحوّل إلى تعاطف تام، تماهٍ تام، إنّما كجزء من جماعة، يمتد هذا التعاطف والتماهي إلى الجماعة، يقابله كره تلقائي لنقيضه وهو هنا الفلسطيني، ودائماً لا كفرد بل كجماعة.

لكن هذه ”المصيبة“، أو هذا الحدث، أتى مقطوعاً من سياقه، وهي معركة/مجزرة الدامور، فيحمل الفيلمُ مُشاهدَه إلى المجرزة ليستعيد الأخيرُ الإهانةَ والنصف الأول من الفيلم ويعيد الاعتبار إلى طوني مبرراً الكره تجاه العامل الفلسطيني لكونه فلسطينياً، ممرراً هذا الكره إلى الجماعة أو -وهذا الأدق- مستمداً كرهه لياسر من كرهه للجماعة التي ينتمي إليها. فتكون الدامور، التي لا يظهرها الفيلم إلا كمجزرة متجاهلاً توصيفها الأوّلي كمعركة (وأي معركة في أي حرب أهلية لا تنتهي بمجزرة؟)، فتكون هي الأساس الذي ارتكز عليه الفيلم، هي الفكرة التي مهّد لها طويلاً، ويكون تماهي المُشاهد مع طوني غير قابل للتراجع بعدما جرّب أن يتماهى مع ياسر بدايةً ويرفضه أخيراً كمعتدٍ فردي أولاً وكمعتدٍ جمعيّ ثانياً.

الإحالة إلى الجماعة التي ينتمي إليها ياسر كانت مسيطرة على خطاب الفيلم بلسانَي طوني ومحاميه الذي يرافع ضدّ الفلسطيني قائلاً بأنّ ”العنف جزء من تاريخه“، فيأتي كرهُ طوني تجاه ياسر أساساً لكونه فلسطينياً، ثم تم استحضاره إلى المحكمة كفلسطيني. وتبرئته أخيراً من قبل المحكمة لا يعني أنّ الفيلم يدعو لتبرئة الفلسطينيين أخيراً، فهذا تلقٍّ سطحي للفيلم لا يلائم السيناريو المتذاكي اللا-تاريخي المكرّس بكامله لإدانة ياسر ومن خلفه الفلسطينيين (ولا بد للقطة مقرّبة على ياسر في أي إشارة إلى ”التاريخ العنيف“ للفلسطيني، لنرى النظرات المتندّمة والرأس المطأطئ!).

فالفيلم من الدقيقة الثالثة علّق الدامور كصنّارة لدى المُشاهد ثم أنساه إياها وألهاه بمحكمة عن مسألة بين شخصين ليعود بالجميع إلى الدامور ويتحوّل الشخصان إلى رمزين لما هو أكبر منهما، ويقدّم الفيلمُ خطاباً سياسياً لا-تاريخي معاد للفلسطينيين بالعموم وليس في لبنان وحسب، فلو اكتفى الفيلم بحدود لبنان كخلفية تاريخية للقضية بين طوني وياسر لكان أكثر إقناعاً بكونه غير ذي وظيفة سياسية أشمل، إنّما قدّم خطاباً تناول الفلسطينيين في الأردن، لإدانتهم وإسقاط تجربتهم هناك على تجربتهم في لبنان بعدها، وذهب أبعد، وعلى لسان المحامي، بالحديث عن الفلسطيني الذي استنكر المحامي أن يكون هو فقط ودائماً الضّحية، فيقول أنه ”عندما يقوم بها اليهودي تكون جريمة أمّا العربي فعندما يقتل عربياً فيكون أمراً بسيطاً!“

هذا كلّه، أتى بتفاصيل ازدحم بها الفيلم كأنّ دويري الذي كتب السيناريو مع جويل توما لم يُرد أن يفوّت تفصيلاً يمكن أن يدين الفلسطيني به، الفلسطيني داخل لبنان وخارجه. ولذلك تحديداً، لرغبة الكاتبَين حشر كل تفصيل يمكن أن يدين الفلسطينيين في فيلم قارب الساعتين، كان من الطبيعي أن لا تجد النظرة الموضوعية للتاريخ اللبناني/الفلسطيني مكاناً في الفيلم (وقد يكون ذلك المقصود)، فكان تجميعاً لادّعاءات اليمين اللبناني وامتداداته تجاه منظمة التحرير الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية التي قاتلت اليمين اللبناني كما قاتلت الاحتلال الإسرائيلي.

هل ما ذُكر هنا قراءة سياسية للفيلم؟ لا، ببساطة لأنّ هذه الأسطر تنتقد لا-تاريخيّته، وأسلوب ”الصّنارة“ المستهلَك في الأفلام الرائجة في هوليوود، والآتي ببروباغاندا قدّمها لليمين اللبناني في استعادة لحدث مستقطِعاً إياه عن سياقه التاريخي. فلو اكتفى الفيلم بالإهانة بين الرجلين ومنها أسّس لحكاية راهنة بين فلسطيني ولبناني، دون تحميل أي من الرجلين عبء شعبه، ودون ترميز مفضوح، ودون تشويه للتاريخ، لكان أكثر إقناعاً بحكايته، ولكان أقرب ليكون فيلم سينما فنّي وليس دعاية سياسية بإنتاج سينمائي جيّد، أمّا ما يعنيه الإنتاج الجيّد فهو المسألة التقنية التي لا تحتاج سوى تمويل ضخم يُشغِّل تقنيين جيّدين، وليس هذا هو المعيار في التقييم السينمائي لأني لا أرى أن أفلاماً بإنتاج ضخم كـ «سوبرمان vs باتمان» جيّدة كسينما، هي جيّدة كمُنتَج تجاري لا فنّي، كمدرٍّ للمال، وليس جمهوره جمهور سينما، بل جمهور ترفيه. وهذا هو الحال مع فيلم دويري، هو فيلم جيّد تجارياً، سيّء فنياً وحكائياً وبشخصيات مسطّحة، وباطل تاريخياً، وهو دعاية سياسية تتماشى مع حوارات دويري خلال الأسابيع الأخيرة في الصحافة الأجنبية والتي يصرّح فيها عن عدائه لحركة المقاطعة الثقافية والأكاديمية (BDS) لدولة إسرائيل التي اشتغل فيها -ممارِساً التطبيع- لينجز فيلمه السابق «الصدمة» وهو فيلم آخر له أشبه بدعاية سياسية ضد الفلسطينيين كذلك، إنّما من وجهة النّظر الإسرائيلية وليس اليمينية اللبنانية.

لدويري طموح هوليوودي واضح في فيلمه، لأسباب منها تبسيطه للحكاية، تسطيحها هي وشخصياتها، ثمّ اتّخاذ موقف معاد للفلسطينيين، وتعميم هذا الموقف على مجملهم. وكذلك -طبعاً- ذلك الميل لتحويل الأزمة بين شخصين إلى قضية رأي عام تتناولها الصحافة والتلفزيونات وتصل إلى رئيس الدولة الذي يستدعي الرّجلين للإصلاح بينهما، هذا سيناريو هوليوودي بائس، حيث يصير الفرد -طوني- مركز الاهتمام لدى الإعلام وصاحب قضية تسبب استقطاباً في المجتمع، بمظاهرات وطائرة مروحيّة تؤمّن المنطقة من السماء. هذا فيلم يُشاهَد مع ناتشوس وكوكا كولا وتفقُّد للنوتيفيكايشنز بين وقت وآخر، وليس فيلماً فنّياً يُبقي الفردَ فرداً بهمومه وتفاصيل حياته فينال قيمته كفرد، وليس فيلماً يستوجب من المُخرج/الكاتب أن يتشغل جيداً على حوار وسيناريو يُقنع بهما المُشاهد دون أن يضطر لاستحضار رئيس الدولة وكاميرات وجماهير وراياتٍ موحياً بأهميّة كرنڤاليّة للحدث الذي ينقله في فيلمه، فيقتنع أحدنا بالشخصية صاحبة الحكاية، وبأهمية الفرد أمامنا كفرد، لا كأداة (لا مبرّر إذن للدفاع عن الفيلم كفيلم قبل انتقاده سياسياً). وهذا مشهد قصير يشير مباشرة إلى الطُّموح المذكور لدى دويري: نرى محامي طوني في مرافعته ذاكراً أحد النوّاب الأميركان الذي شتم مضيفة طيران ثم اعتذر، مبدياً إعجابه وسائلاً لمَ لا نكون نحن كذلك هكذا، كالأميركان!

الحوارات ممتلئة بترميزات مباشرة واختزالية -هو المتوقَّع من فيلم تجاري على كل حال- ففي بداياته إحالة إلى التاريخ الفلسطيني في لبنان من المنظور اليميني اللبناني، كالقول بأن هنالك أناس لا يعرفون الاعتذار، ثم يشير إلى الاعتراف بالغلط، بعده مباشرة نسمع بشير الجميّل، رئيس حزب الكتائب اليميني، يخطب قائلاً ”لقد أصبح الفلسطينيون بسبب انحرافات قياداتهم مرفوضين في كل لبنان“، في ربط تلقينيّ مباشر بين الحوار والخطاب والأحداث التي تتطوّر لتصل إلى المحكمة.

منها ينتقل الفيلم إلى طوني يقول لياسر (لحظة، قليل من الإبداع في أسماء الشخصيات على الأقل: هذا طوني لأنّه مسيحي وذاك ياسر -عرفات!- لأنّه فلسطيني؟)، يقول: ”أنتم شعب بلا أصل. لو تحترمون أنفسكم لكنتَ قد اعتذرت من زمان. ليس غريباً أن يكون صيتكم قذراً. كما قال اليهود: الفلسطيني لا يضيّع فرصة ليضيّع فرصة. يا ليته شارون مَحاكم عن بكرة أبيكم.“ (هذه الأخيرة قالها دويري بنفسه لفلسطيني كما صرّح مؤخراً لصحيفة ”لوس أنجلس تايمز“ ممهِّداً لترشيحات الأوسكار)، جُملٌ يرشّها طوني خلف بعضها، مكتوبة بإتقان الكاره التقليدي للفلسطيني. القراءة التاريخية لهذا الحديث، اليوم، سيودي بنا إلى رؤية قائلها، الكتائبي اللبناني، حاملاً سلاحه الإسرائيلي ومتوجهاً إلى شاتيلا وصبرا ليرتكب مجزرة أشرف عليها شارون نفسه. وهنا نأتي إلى مغالطة أخرى تمرّ سريعاً، لكنّها أساسية في سياق الفيلم، فالمجرزة لم يرتكبها شارون بل من يراه طوني بطلاً وطنياً يعلّق صورته في بيته، سمير جعجع -القوات اللبنانية وحزب الكتائب- فالإشارة لشارون هنا هو ميول لبناني يميني عام يدعو لتحميل الإسرائيلي المسؤولية المباشرة عن المجزرة التي لم تُذكر في الفيلم، لا هي ولا غيرها مما ارتُكب في حق الفلسطينيين ولبنانيين آخرين، وهنا نأتي إلى لا-تاريخية الفيلم، وهذا أسوأ ما فيه، وهو ما يعطب مصداقيته.

الشر الذي رأيناه في طوني بدايةً، تمّ نفيه لاحقاً. نرى التحوّل بأسلوب هوليوودي مبتذل حين يُصلح سيّارة ياسر المعطّلة، لكن بشكل أكثر عمقاً، ندركه لدى معرفتنا بالسبب الذي دعى طوني ليكون شريراً تجاه ياسر، فيبدأ المُشاهد هنا رحلة التعاطف مع طوني الناجي من مجزرة قرية الدامور التي نراها أولاً بمَشاهد مستهلَكة عن الحياة السعيدة ومزارع الموز والنساء على البحر، قبل أن يدخلها المسلّحون الملثّمون بجيبّاتهم وصواريخهم ولباسهم الكاكي، وكلّهم ذكور. هنا، وطوني هو الناجي من المجزرة (كالنّاجين اليهود من المحارق النازية وجولات المحاكم التي امتلأت بها سينما هوليوود، فللفلسطيني هنا نقاط تقاطع مع النّازي!)، لا مجال للمُشاهد هنا، ذلك الساذج تحديداً المتماهي مع سوبرمان (أو باتمان، لا يهم) وصاحب الذّهن المغسول/الملوّث بالسياقات والسيناريوهات والكليشيهات والمفارقات والنّهايات الميلودراميّة الهوليوودية، لا مجال له سوى التماهي مع طوني وتبرير سلوكه، وتحويل الشرّ فيه إلى خير يصاحبه تحويلٌ حتمي للخير في ياسر كما شاهدناه بداية، إلى شر، ولأنّ ياسر لم يكن في الفيلم سوى ممثل للفلسطينيين، بإصرار مكرّر على ربط الفرد بالجماعة، كان الشرّ كلّه في الفلسطينيين الملثّمين الحارقين لمزارع الموز! والشرّ الفلسطيني هذا امتدّ إلى ما هو خارج لبنان، فأحد الشهود في المحكمة كان جندياً أردنياً استُقدم (أُقحم بلا مبرر دراميّ بل إيديولوجي) ليشهد على تاريخٍ فلسطينيٍّ هناك، تاريخ انتهى بمجزرة ارتكبها النّظام الأردني، فيشير أحدهم في القاعة بأن الفلسطينيين أُخرجوا من الأردن ليأتوا إلى لبنان ويرتكبوا ما ارتكبوه هناك، وطبعاً يرتكبونه في كلّ مكان، وضد الكل، وذلك يشمل الإسرائيليين! لكن، شكلياً، أتى تقديم طوني كالخيّر في الفيلم بابتذال أكبر، فهذه الانعطافة بدأت به يسقط أرضاً أثناء عمله ليلاً متألماً من ضربة ياسر، لتهرع زوجته الحبلى وتجرّه، فينام الاثنان في المستشفى وبجانبهما ابنتهما في العناية المركّزة. أي بؤس ألحقه الفلسطيني/الفلسطينيون بهذه العائلة!

هذه كلّها -وغيرها لن أطيل المقالة أكثر بها- إحالات لا-تاريخية إلى حدث تاريخي محدّد إنّما مستقطَع من سياقه، لذلك أقول أنّها أحداث مُفرّغَة من تاريخيّتها في الفيلم، أي أنها لا-تاريخية، فمعركة الدامور دارت أساساً بين منظّمات لبنانية يمينية كحزبَي الكتائب والأحرار، وبين منظّمات لبنانية كمنظمة حزب البعث السوري في لبنان والحزب التقدّمي الاشتراكي، والتنظيم الفلسطيني لحزب البعث السوري، الصاعقة.

لكن لا تتركّز المسألة اللا-تاريخية في ذلك، بل أساساً في نفي السياق التاريخي لمجزرة الدامور، كأنّها حصلت اليوم، وليس في حرب أهلية حرق اللبنانيون بعضهم البعض فيها، وحرقت منظمات عدّة منهم الفلسطينيين، وحرق هؤلاء كذلك مناطق لبنانية، وحرق السوريون الجميعَ. كأنّها لم تأتِ كنتيجة سريعة لمجزرة الكرنتينا التي ارتكبها اليمين اللبناني الفاشي بحق فلسطينيين ولبنانيين، وكأنّها لم تكن حلقة من سلسلة مجازر ارتكبها الكلّ ببعضه. هذه حرب أهلية تدرَّب أحد أطرافها، من يمثّلهم طوني في الفيلم ومن يقول عنهم محاميه بأن ”خطابهم وطني“، على أيدي الإسرائيليين ليقتّلوا لبنانيين آخرين أولاً (مسيحيين ومسلمين)، وفلسطينيين ثانياً.

تقديم أي مجزرة من المجازر اللبنانية العديدة خارج سياقها كجزء من حرب أهلية، ومنعزلة عن مجازر عديدة غيرها، وعن أحداث تهجير طائفي وقتل على الهويّة -وهو ما امتهنه حزب الكتائب- هو استخفاف بعقول المشاهدين وذاكرة اللبنانيين والفلسطينيين منهم، هو تبسيط لحكاية واختزالها وقرضها فتصلح لتكون في فيلم تجاري، هو بروباغاندا يمينية ودعاية كرهٍ تجاه الفلسطينيين، وهو لا-أمانة تاريخية.

لا سينما لدينا هنا، بل مُنتَج تجاري ضخم، فيلم ويك-إيند تسطيحي لحكايته وشخصياته، فيلم عرف دويري كيف يُدخله إلى ترشيحات حفل الأوسكار بالإحالات إلى اليهود في فيلم عربي كاره للفلسطينيين. كسب دويري بالفيلم هذا الدّخول وخسر مصداقيّته كمخرج اختار -وما يزال في بداياته- أن تجمع أفلامه بين الترفيه التسطيحي والبروباغاندا اليمينية والإبهار البصري الذي يوفّره تمويل شركات الإنتاج، لا فنّية المخرج.

في القدس العربي (بنسخة أقصر)

مقالة سابقة لي عن الموضوع…

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

2 Comments

  1. المقالة بإختصار :
    ” فما أراده دويري هنا هو شحن المُشاهد بالكره تجاه طوني، كفرد، ثم تفكيك هذا الكره الذي سيتحوّل إلى تعاطف تام، تماهٍ تام، إنّما كجزء من جماعة، يمتد هذا التعاطف والتماهي إلى الجماعة، يقابله كره تلقائي لنقيضه وهو هنا الفلسطيني، ودائماً لا كفرد بل كجماعة. “

    إعجاب

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.