سينما
اكتب تعليقُا

«ثلاث لوحات إعلانية» للإيرلندي مارتين ماكدونا

★★★★

للفيلم عنوان طويل هو «ثلاث لوحات إعلانية خارج إبّيغ، ميزوري» وعنوان فرنسي قد يكون أكثر مباشرة هو ««ثلاث لوحات إعلانية: لوحات الانتقام»، وهو لمخرجه القادم من المسرح، كأحد أبرز كتّابه في إيرلندا، مارتين ماكدونا، الذي كتب السيناريو القويّ للفيلم وأخرجه وأنتجه.

الفيلم ملفت من عدّة نواح: الإخراج والحكاية والشخصيات وحتى الفكرة، أو المعنى الذي يمكن للفيلم أن يوصله. الحكاية هي لسيّدة اسمها ميلدريد هايز (فرانسز ماكدورماند) التي قُتلت ابنتها قبل زمن الفيلم بعدّة أشهر، تمرّ من أمام ثلاث لوحات إعلانية بالقرب من بيتها ويخطر لها أن تستأجرها لتذكّر بالجريمة، ففعلت وألصقت عليها كتابات تقول بأنّ ابنتها ”اغتُصبت بينما كانت تموت“ و”لا اعتقالات حتى الآن“ و”كيف يمكن لذلك أن يحدث“ وذكرت اسم رئيس قسم الشرطة بالاسم. هنا يبدأ الفيلم وهنا تبدأ المشاكل التي ستلاحقها، بدءاً من تضييقات الشرطة إلى الآخرين، تهديدات وحرق للوحات، وذلك بتطوّر ملفت للشخصيات في الفيلم، وهي شخصيات بحضور قوي، لها حوارات ملفتة، متمايزة، واقعية، بأداء ملفت لماكدورماند وبدرجة أقل لوودي هارلسون (رئيس قسم الشرطة).

في الفيلم كوميديا بمستوى عال، كوميديا سوداء بطبيعة الحال، فالحديث هنا عن عملية اغتصاب وقتل تبعها تلكّؤ الشرطة في إيجاد القاتل، ومبادرة الأم لتضغط على الشرطة الفاسدة كي يجدوا قاتل ابنتها.

هنالك نقاط محوريّة تتأسّس عليها الحكاية، أولها الشرطة وفسادها، ففي الفيلم إشارات ومشاهَدة مباشرة عن عنف أحد رجال الشرطة، وهي شخصية هامة في الفيلم، هو الشرطي الثاني فيه بعد رئيسه (سام روكويل)، فلهذا قصّة متداولة عن عنصريته وتعذيب شاب أسود، ثم نراه يبتز الآخرين، وأولهم الأم، ونراه يعتدي بالضرب على موظف شركة الإعلانات وزميلته، ويرميه من النافذة فيتسبب بمكوثه في المستشفى، كما يقوم بأعمال شرّيرة أخرى لن نفسد الفيلم بذكرها هنا، لكنّه ينال عقاباً أخيراً، من الأم ذاتها، عقاباً كان مدخلاً لشخصيته كي تتطوّر، كي يتقارب مع أم القتيلة وهو الذي كان يتابع القضية بكل كسل متعمّد، يقرأ بدل ملف القتيلة مجلّات الكوميكس.

لكن لكونه الشخصية الثانية في الشرطة، لا يمكن أن يجد مكانه في الحكاية كشخصية أساسية دون أن يخرج الرئيس عن طريقه، لأنّ -حتى اللحظة- الشخصيتان الرئيسيتان هما الأم والرئيس. هذا الأخير مصاب بالسرطان، وكي لا يجعل زوجته وابنتيه يعانوا من مرضه ويرونه ضعيفاً، ينتحر بطلقة من مسدس على رأسه. هنا خرج من المشهد وفتح المجال للشرطي الآخر، كشخصية شريرة، لأن تكون الشخصية المقابلة للأم، وبالتالي لتتطور كشخصية رئيسية ثانية. فيتطوّر الفيلم بشخصيتيه: الأم والشرطي الذي -وقد بدأ يتغير- يسعى لإيجاد القاتل ويتعرض للضرب في شجار مع من ظنّ بأنّه هو، ليقررا على الهاتف، هو والأم، قتله دون أن يكونا متأكّدين من أنّهما سيفعلان.

مسألة أخرى يشير إليها الفيلم، وهي في صلبه: الإعلام ودوره في التأثير، الإحالات إلى التلفزيون والمراسِلات الصحفيات تشير لذلك، لكن المسألة بانت أساساً في اللوحات الثلاث، وهي هنا لغاية إعلامية وليس إعلانية، فهذه اللوحات ”الإعلانية“ لم تكن تعلن عن منتج بل كانت تعلِم الناس بأن القاتل مازال طليقاً وأن الشرطة لم تفعل شيئاً حيال القضية منذ أشهر. بدأ الفيلم باللوحات الإعلانية الثلاث وانتهى بها، وكانت هي المركز الذي تدور حوله الأحداث، الأم تقاتل لبقائها والشرطة تسعى بكل الطرق لإزالتها.

في الفيلم مسائل اجتماعية نُقلت بشكل حكائي دون أن تكون -هذه المسائل- فجّة ومباشرة، بل هامش في سياق الحكاية بالمجمل: حكاية الأم التي تسعى للضغط على الشرطة كي تأخذ القضية على محمل الجد وتجد قاتل ابنتها. من هذه المسائل فساد الشرطة في الولايات المتحدة وعنصريتها وسطوتها وعنفها، وذلك يأتي بالتزامن مع حالات عدّة تظهر بين وقت وآخر، ما استدعى لحركات اجتماعية بالنّشوء كـ ”بلاك لايفز ماترز“ (لم يُشر إليها الفيلم)، لكنّ الفيلم لا يتخلى عن البعد الإنساني وذلك بإمكانية تحوّل الشرطي العنصري المعذّب من شخصية شريرة إلى أخرى خيّرة. مسألة أخرى لا تقل أهمية وهي قدرة الأم، كامرأة تخلى عنها زوجها من أجل فتاة ظهرت كبلهاء، ابنة ١٩ عاماً، قدرتها لوحدها على مواجهة المجتمع الذكوري المكوّن من الزوج السابق ورجال الشرطة ومن قدِم إلى حيث تعمل واعتدى عليها، إلى غيره من ضغوطات المجتمع، وقد استطاعت مواجهتهم لوحدها، ففي الفيلم هذه الامرأة وابنتها المغتصبة والمقتولة، وفي المقابل ذكورية متمثلة أساساً في رجال الشرطة الذين استطاعت هي، بقوة شخصيتها وإرادتها، تغيير الشرير فيهم إلى خيّر.

الفيلم (Three Billboards Outside Ebbing, Missouri) الذي خرج إلى الصالات الفرنسية قبل أيام، شارك في مهرجان فينيسيا السينمائي الأخير، ثم في مهرجان تورونتو السينمائي حيث نال الجائزة الأولى (جائزة اختيار الجمهور)، وفي حفل الغولدن غلوب قبل أيام نال جوائز منها أفضل فيلم وأفضل ممثلة وأفضل سيناريو، ما يرشّحه بقوّة للجوائز الرئيسية في حفل الأوسكار لهذا العام.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.