سينما
اكتب تعليقُا

«واجب» للفلسطينية آن ماري جاسر

★★★★

كلّما ضاق المكان في الفيلم، كانت الاحتمالات محدودة أكثر، وكلّما امتدّ السياق الذي تكون فيه الشخصيات أمام مُشاهدها قلّ الاعتماد على الصورة ذاتها ليرتكز الفيلم على السيناريو والحوارات، على ما يتم سماعه أكثر مما يتم مشاهدته، على الكيفية التي يتم فيها سماع الحوار بقدر لا يقلّ عن معناه.

هذا هو الحال في فيلم الفلسطينية آن ماري جاسر الأخير، فالمكان هو السيارة، متنقّل كما هو ثابت، ضيّق كما هو واسع. الضيق الذي يجعل الشخصيّتين الرئيسيتين (شادي وأبو شادي) جالسين مكانهما معظم وقت الفيلم، والاتساع هو المدينة خارجها، هي الشوارع وما يستطيع المُشاهد رؤيته من نوافذ السيارة، من أبنية ومحال وشوادر وقمامة مدينة الناصرة شمال فلسطين، فكان لهما أن يتحدّثا، وكثيراً، وكان لهذا الحديث أن يتعلّق بالمدينة. كان الحديث بضيق هذه العائلة التي لن يبقى منها سوى الأب في بيته بعد زواج ابنته، وكان الحديث باتّساع هذه المدينة وناسها وبيوتها التي يلفّها الرّجلان لتسليم بطاقات الدّعوة.

هذا التباين في مدى ضيق المكان واتّساعه، بين السيارة والمدينة، هو أحد التقابلات المختلفة في الفيلم، منها ما سنأتي عليه وهو تقابل شادي وأبو شادي والتناقض الحاصل بينهما اجتماعياً وسياسياً، وهو ما حفّز لتكون الحوارات ذكيّة ويكون الفيلم، بها، وبالحيّز المحدود الذي تجري فيها، جديراً بانتباهٍ يقظ على طول الفيلم، لا لأن هنالك حكاية لا يجب أن يَفلت أحد مفاصلها، بل أساساً لأن لا حكاية هنا -فلا حكاية يمكن أن تنشأ في فيلم يصوّر يوماً واحداً يوزّع فيه رجل وابنه بطاقات الدعوة لعرس الابنة/الأخت أمل (ماريا زريق)- بل لأنّ الحوارات، وإن تكرّر الكثير منها، كانت أساساً محكماً للفيلم، كانت أحاديث يومية بين رجل وابنه القادم من إيطاليا لأجل المناسبة، وكانت حوارات متصاعدة توصلنا، في الربع الأخير من الفيلم، إلى المعنى التاريخي السياسي الاجتماعي للفلسطيني الباقي في أرضه عام النّكبة، إلى الـ ”لمَ يتصرّف أبو شادي هكذا ولمَ لا نستطيع إلا التعاطف معه؟“. فننتقل بالحوارات، آخر النّهار، من اليومي إلى التاريخي، فلسطينياً.

الفيلم الذي يقوم على الحوارات، تقوم الحوارات فيه على شخصية أبو شادي (محمد بكري). هو محور الفيلم، فكل ما ذُكر أعلاه عن الحوارات كان يخصّ كل ما يقوله أبو شادي، كل ما يعيد قوله، وكذلك الكيفية التي يقوله بها. ووجود شادي (صالح بكري) معه في مشواره لتوزيع البطاقات، كان أقرب لعامل تحفيز لشخصية أبو شادي كي تَظهر أكثر (لذلك كان لا بد من التناقض بينهما)، كي تكون شخصيته أساس الحكاية ما وراء الفيلم، حكاية هذا الرّجل المخذول، المدرّس، البسيط، الساذج، المراوغ، الضعيف، الكاذب، الملحّ، المهمَّش، المخذول مجدداً، مخذول من زوجته التي تركته وأبناءه لتتزوج وتهاجر إلى أميركا، من ابنه الذي هاجر إلى إيطاليا وأقام علاقة مع ابنة مسؤول سابق في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن هذا المسؤول الذي، كالعديد من مسؤولي السلطة الفلسطينية اليوم، اغتنى من الثورة وترك البلد وحالها للفقراء البسطاء كحال أبو شادي، المخذول من التاريخ الرسمي الفلسطيني. وهو، أبو شادي، متشائلُ إميل حبيبي، فإن كبر سعيد أبو النّحس في رواية حبيبي ثلاثين سنة -لنقل- سيكون تماماً أبو شادي اليوم، سيكون هذا الجيل من الفلسطينيين الذي عانى من الحكم العسكري في شبابه، واتّخذ قسمٌ كبير منه المراوغة أسلوباً للحياة، وليست اللقطة الأولى في الفيلم، حين يسأل شادي والده وهو يحمل الصنّارة إن كان مايزال يصيد السّمك، ليست إلا إشارة إلى متشائل حبيبي، الذي يتشارك معه أبو شادي هذه الهواية في مدينة لا بحر فيها.

الفيلم هو بشكل أو بآخر فيلم طريق، إنّما نقطة البداية (البيت) هي ذاتها نقطة النهاية، وهو التاريخ الفلسطيني وحاضره العالقان في حلقة مفرغة، هو نقاشات الأب والابن، فكان المشوار في طرقات النّاصرة، فيها تعرَّفنا على جيل كامل من خلال الأب وعلى جيل آخر من خلال الابن الذي يرفض ”تشاؤل“ أبيه، هو أقرب ليكون شخصيّة كنفانيّة، لا يقبل مساومات أبيه ومراوغته، فيرفض دعوة عنصر الشاباك الذي سيؤثّر في أن يصير أبو شادي مديراً للمدرسة، وهذا التناقض بين الاثنين يصل ذروته في نقاش بالصّراخ بينهما حين يرفض شادي دعوة الإسرائيلي الذي تسبّب في أن يخرج هو من البلد فلا يُعتقل، ولمكان هذا النّقاش دلالته، هو المستوطنة المجاورة لمدينة النّاصرة، فتلتقي التناقضات: الأب والابن، المدينة والمستوطنة، المستعمَر والمستعمِر، ويصرخ الأب خذلانَه وعجزَه أمام ابنه، يصرخ خياراته التي لم يتّخذها إلا من موقع الضّعيف في بلده تحكمه فيه قوّة احتلال، موقع يرفضه شادي.

قريباً سيخرج الفيلم (Wajib) الذي كتبته وأخرجته أن ماري جاسر إلى الصالات الفرنسية، وقد شارك في مهرجان تورونتو السينمائي الأخير، وفي مهرجاني لوكارنو ولندن السينمائيين خارجاً منهما بعدّة جوائز، وهو الفيلم الروائي الثالث لجاسر بعد «ملح هذا البحر» في ٢٠٠٨ و«لمّا شفتك» في ٢٠١٢.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.