فنون
اكتب تعليقُا

استعادة لأحد روّاد السينما المستقلة في أميركا: سامويل فولر

قد يكون المثيرَ للاهتمام في الحديث عن المخرج الأميركي سامول فولر هي تجربته الشخصية، هي شخصيّته ورؤيته للسينما وليس أفلامه ذاتها كأعمال فنّية، فأهمّية هذه الأفلام تأتي من رؤيته هو لما هي عليه السينما. سامويل فولر، الذي اشتهر بصناعة أفلام بميزانيات منخفضة متقصّداً ذلك، تعلّق بمنتج ”صغير“ بالمقارنة مع استديوهات هوليود لأنّه -المنتج- اهتمّ بالحكاية، لأنّه كان ينظر إلى الفيلم أولاً كحكاية وليس كمنتَج مدرٍّ للمال. يقول فولر في سيرته الذاتية بأنّ المنتِج (الذي كان معجَباً بفولر ككاتب) كان يسأله ”ما هي حكايتك القادمة؟“ وهذا ما جعل الكاتب والمخرج يتعلّق به تاركاً استديوهات هوليود جانباً.

تبدأ هذه الأيام كل من سينماتيك تولوز والسينماتيك الفرنسية في باريس، وحتى أوائل فبراير/شباط، عروضاً استعادية لأفلام فولر، تحوي أفلامه كما تحوي الوثائقي الذي أخرجته ابنته، سامانتا فولر، والمأخوذ نَصّه من مذكّرات فولر نفسه التي كتبها وعنونها بـ «وجهٌ ثالث٬ حكايتي في الكتابة والقتال والإخراج“. وفي الوثائقي (2013) نعرف فولر بكلماته، كما يحوي الوثائقي لقطات أرشيفية خاصة صوّرها فولر، ومشاهد من أفلامه.

في السيرة الذاتية/الفيلم الوثائقي، يحكي فولر عن سبب عزوفه عن شركات الإنتاج الضخمة في هوليوود قائلاً أنّه بإصراره على صناعة أفلام بميزانيات منخفضة يحفظ استقلاليته، ويبقى بعيداً عن تلك الشركات التي إن أدخلت مالها إلى المنتَج ستُدخل كذلك تغييرات في السيناريو والكاستينغ (اختيار الممثلين) والمونتاج (تقطيع المشاهد)، وهو ما يرفضه لأنّ الفيلم لن يكون حينها فيلمه بل فيلم شركة الإنتاج.

أمر آخر يثير الاهتمام في شخصية فولر كسينمائي هو المسار الذي أوصله إلى صناعة الأفلام، فهو أساساً صحافي وكاتب. كصحافي بدأ بالاختصاص بتغطية الجرائم والكتابة عنها، ثم قرّر أن يغطّي الجريمة الأكبر في عصرنا كما سمّاها وهي الحرب العالمية الثانية، مصرّاً على أن ينزل مع الجنود (المشاة) ورافضاً أن تضعه قيادة الجيش الأميركي خلف مكتب كباقي الصحافيين. وكان واعياً لفكرة أنّ العائد من الحرب -كما قال- يعود إمّا جثّةً أو مصاباً أو فاقداً عقله. لكنّه عاد أخيراً وبدأ بصناعة أفلامه بعدما كان مكتفياً بكتابة السيناريوها والكتب التي عُرف بها قبل وأثناء تطوّعه في الجيش.

هذا المنشأ الحكائي لفولر الذي لا يفارق السيغار فمه، هو الذي جعله ينظر إلى السينما بأنّها أساساً حكايات تُصوَّر، وهنالك حادثة قد تشير إلى ذلك كتبها في مذكّراته، وهي أنّه حين ذهب في مهمة صحافية، وكان كاتباً مستقلاً يقبض مقابل القطعة (صحافي فريلانس) وليس موظفاً، لتغطية إحدى الجرائم، كتب وصفاً لإحدى السيدات هناك، اقتطعه رئيس التحرير من المقالة فغضب فولر، قال رئيس تحريره بأنّ لا إثبات على ذلك، فردّ الآخر غاضباً بأنّه لا يحتاج لإثبات ما كتبه وأنّه كتب ما رآه، فسأله الأوّل لمَ لم يصوّرها، فردّ فولر بلغة لا تخلو من اللعنات، بأنّه كاتب وليس مصوّراً صحافياً. لكن لاحقاً -يقول- فكّر بالأمر واقتنع بأنّ القارئ فعلاً سيصدّق لو أنّه رأى ما هو مكتوب، لينقل الجرائم لاحقاً إلى المتلقي في صور.

هذه المصداقية التي رغب بها في نقل حكاياته هي مما دفع فولر إلى السينما، من الكتابة إلى التصوير، إلى الصورة كناقل لحكايته، لكنّها كذلك التي جعلت من السينما صوراً تنقل حكاية يريد نقلها وليس صورةً تريد استديوهات هوليوود ترفيه المُشاهد بها، بحكايات لا تتخطى السطح وبنهايات سعيدة يخرج بها المتفرّجُ من الصالة راضياً. فصار سينمائياً، وصار سينمائياً مستقلاً.

فولر شخصية استثنائية في السينما الأميركية، هو الابن المتمرّد على هذه السينما، وهو الذي لا يكف عن السخرية منها -من داخلها- وانتقادها ورفض شروطها، وهو من مؤسسي السينما المستقلّة، فهو كاتب أفلامه ومخرجها ومنتج بعضها. وكي يحافظ على استقلاليته اختار أن تكون أفلامه بميزانيات منخفضة، واختار، متابعاً منشأه الحكائي/الكتابي، صناعة أفلام تُبنى على الحكاية وليس على ممثلين نجوم أو ديكورات هائلة أو ما قد يضطرّه لقول ما يريد آخرون قوله في أفلامه هو، فكانت نصوص أفلامه، حكايات وحوارات، بديعة.

أمر أخير في سينما فولر نشير إليه هو الإنسانية في مضمونها، فهو من أوائل المخرجين الذي صوّروا أمريكيين سود في أدوار جيّدة، تكون فيها ذكيّة وقوية كما قال، كما أنّه أخرج عام 1982 فيلم «كلبٌ أبيض» الذي طرح فيه مسألة العنصرية بكل ما فيها من بشاعة، بشكل مباشر و”فج“، وهي قصّة كلب شرس مُدرَّب على مهاجمة أصحاب البشرة السوداء، ما جعل الفيلم ممنوعاً من العرض لعشر سنين. الفيلم، كغيره من أفلام فولر، يأتي بسيناريو وحوار قويين، بديعين، وإن بجانب بصري غير متميّز.

فولر الذي لطالما انتقد الثقافة الأميركية السائدة، لم يجد اهتماماً كافياً في أميركا، فاستقبله مخرجو ”الموجة الجديدة“ الفرنسية باهتمام كبير، وقد أثّرت سينماه فيهم، ما جعل جان لوك غودار (المخرج الفرنسي العظيم) يُظهره في فيلمه «احتقار»، في ظهور سريع (كاميو) يؤدّي سامويل فولر فيه دور سامويل فولر.

لفولر (8/12/1912 – 10/30/1997) العديد من الأفلام بدأها عام 1949 بفيلم «قتلتُ جيس جايمس»، ثم «بيكأب أون ساوث ستريت» عام 1953، و«أربعون سلاحاً» عام 1957، و«شوك كوريدور» عام 1963، و«القبلة العارية» عام 1964. وتوقّف في السبعينيات عن الإخراج ليأتي أخيراً بفيلم الحرب «ذا بيغ ريد وَن» عام 1980، و«كلب أبيض» عام 1982، ونال جوائز في مهرجانات من بينها ڤينيسيا ولوكارنو.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.