سينما
اكتب تعليقُا

«سبوربيكون» للأميركي جورج كلوني

★★★★★

إن كان لا بد من نتيجة مباشرة إثر الخروج من الصالة لتكن أن جورج كلوني أقل سوءاً كمخرج منه كممثل، حتى في أدواره التي كانت في أفلام للأخوين كوهين (جويل وإيثان كوهين)، لكن لا يعني ذلك أنّ الفيلم الذي يأتي اسمه الغريب من اسم الحيّ الذي تجري أحداثه فيه، لا يعني أنّه فيلم ممتاز، إنّما جيّد، مسلٍّ، تُلمس فيه أجواء الأخوين كوهين المعتادة، حيث السيناريو المحكم والتداخلات في المواقف والأشخاص، والكوميديا الذكية غالباً الممهورة بدماء قتلى.

الفيلم من كتابة الأخوين كوهين بالإضافة إلى كلوني نفسه، لكنّه سيناريو الأخوين المكتوب منذ عام ١٩٨٦، ولم يحوّلاه لفيلم، ومنحاه أخيراً لكلوني، أو باعاه لشركة الإنتاج ليقوم بإخراجه كلوني. يمكن لذلك أن يطرح سؤال: لمَ لم يخرجاه بأنفسهما؟ ألأنّهما لم يرضيا عنه؟ لا يهم، الحبكة في النهاية جيّدة، النهاية حيث ينفجر الفيلم بشخصياته التي تقتل بعضها البعض، هي ذروة جيدٌ أن ينتهي الفيلم بها، فلا بأس به كفيلم مسلٍّ، كالعديد من أفلام الأخوين، كتابةً وإخراجاً، فيلم مسلٍّ وليس فيلماً رائعاً.

أمّا كلوني، ثقيل الظل كممثل، فأدى دوراً لا بأس به خلف الكاميرا، وهو الفيلم السادس له كمخرج، وقد يكون أفضل (أو: أقلّ سوءاً) من باقي أفلامه، لسبب بسيط هو السيناريو الذي كتبه الأخوان.

تجري أحداث الفيلم في حيّ سبوربيكون الحديث، الذي يسكنه أمريكيون قادمون من شتى المناطق، إنّما جميعهم بيض. في بداية الفيلم تنتقل عائلة سوداء للسكن في الحي، والأحداث تجري في عام ١٩٥٩، من البداية نلاحظ سلوكاً عنصرياً تجاهها، يرفض سكّان الحي أن تعيش بينهم عائلة سوداء، يرفض الجميع باستثناء جيران للعائلة، هم مركز أحداث الفيلم، حيث تحكي خالة الولد وأمّه، له، بأن يذهب للعب البيسبول مع الطفل ابن جيرانهم الجدد.

يوجد مستويان للأحداث وإن لم ينجح الفيلم بالربط بينهما بشكل أكثر إقناعاً، لا من ناحية الموضوع ولا من ناحية الحكاية: أحدهما يخص العائلة السوداء التي تعاني من عنصرية واعتداءات سكان الحي من البيض، والثاني يخص تلك العائلة البيضاء التي، من بداية الفيلم كذلك، تدخل عليها عصابة من شخصين لنهب البيت وقتل الزوجة، أمام حشد السكّان في الخارج يكتفون بالتّفرّج على ما يحصل. بشكل مواز يتطور كل من الحدثين، لدى العائلتين، لتصل إلى درجة ما في نهاية الفيلم.

إنّما المستوى الأساسي هو لدى العائلة البيضاء، التي تقتل العصابة زوجة الرجل فيها واسمه السيّد لودج (مات ديمون). ندخل مع الرجل في حياة ما بعد الاعتداء والقتل، تحقيقات الشرطة ثم قدوم العصابة إلى عمله ثم، وهنا يأخذ الفيلم انعطافة ونبدأ بفهم ما كان يحصل، زيارة موظف شركة التأمين الذي يشكّ في أنّ كل ما حصل كان مدبَّراً له كي يكسب الزوج تعويضات هائلة من الشركة. قبلها بقليل فقط نسمع الرجل يقول لعشيقته (جوليان مور)، وهي أخت زوجته المقتولة، بأنّ لا حاجة ليقلقا طالما أن هنالك شركة التأمين.

كي لا نفسد الفيلم بهذه الأسطر، نكتفي بالقول أن علاقة تبدأ تظهر بين كل ما كنّا نعتقد بأنّه طبيعي، نبدأ بعد زيارة موظف التأمين بإعادة إدراك كا حصل: العصابة، مقتل الزوجة، تفادي الرجل لشقيق الزوجة، ملاحظات الطفل، العلاقة التي نشأت بين الرجل وأخت زوجته (تلعب جوليان مور دور كليهما)، رغبة العشيقين في ترك البيت.

هنالك مستويان إذن، في الأوّل حيث العائلة السوداء، فيه اعتداءات عنصرية، فيه السكّان يحيلون ما يسمونه بالشؤم الذي حلّ بالحي إلى القادمين الجدد، وقد بدأ السكان ببناء سور خشبي يفصلهم عن بيت العائلة. لكن على المستوى الثاني نلاحظ أن القتلة والمقتولين هم من البيض، أن المجتمع الأبيض في الحي، الممثل بالعائلة التي داهمتها العصابة (البيضاء كذلك) أوّل الفيلم، هو مجتمع فاسد وقاتل ولا عجب أن يسعى إلى حرق بيت جيرانهم، مع تحريض الإعلام الأبيض كذلك الذي يبث في بيوت الحي، وهؤلاء، من أحرقوا بيت العائلة السوداء، بهمجية ووحشية، هم أنفسهم من كانوا واقفين يتفرجون على عصابة من رجلين تدخل وتقتل وتنهب بيت السيد لودج وتخرج.

أخلاقياً، يطرح الفيلم نقداً للسلوك الأبيض العنصري تجاه الأميركان السود في أواسط القرن الماضي، ومن الناحية الحكائية، الفيلم مكتوب بشكل تصاعدي حيث تتكثف الأحداث صعوداً وتنحل العقد، وتتداعى الشخصيات، ضمن مجزرة، كلّما اقتربنا أكثر إلى نهاية الفيلم، وكل ذلك بأسلوب ساخر يجعل القتل مدعاة للضحك، يجعل المفارقات العنصرية والإجرامية سبباً للضحك، وهو ما يقدر عليه سيناريو ذكي وإن اقترب من كليشيهات أمكن أن تكون مقبولة أكثر عام ١٩٨٦، في مقاربة المسألة الأخلاقية تحديداً

شارك الفيلم (Suburbicon) في مهرجانَي فينيسيا وتورونتو السينمائيين الدوليين، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.