سينما
اكتب تعليقُا

«قصّة شبح» للأميركي دايڤيد لوري

★★★★★

قد يبدو الفيلم من الوهلة الأولى، أو من الملخص أو الملصق أو العنوان أنّه فلم رعب، حيث يعود رجل إلى بيته ليلة موته على شكل شبح، ليعيش فيه غير مرئي مع زوجته التي ستترك البيت خلال أيام. إنّما السياق الذي جاءت فيه الحكاية، إضافة إلى الشكل الذي تم تصويرها فيه، الفنّية في ذلك، سحب عن نسيجها ذلك الخيط الكفيل بجعل الفيلم فيلمَ رعب، ليصير فيلماً روحياً، تأمّلياً، ملفتاً بصرياً، وقبل كل شيء قصّة حب وليس ”قصّة شبح“.

هو فيلم فنّي بالدرجة الأولى، ولم يكن الشبح فيه، أو حكاية الشبح، إلا وسيلة لنقل الفنّيات شكلاً ومضموناً، بما فيها التلاعب البديع بالزمن في الفيلم.

الفيلم الممتلئ باللقطات الطويلة، أوّلها تلك التي تجلس فيها الامرأة على الأرض لتلتهم صحن غاتوه كاملاً فور عودتها من المستشفى حيث يستلقي حبيبها ميتاً إثر حادث سيارة، الفيلم يسير بوتيرة بطيئة، بلقطات طويلة وهادئة، مقلّ بالكلام، مطيلٌ باللقطات الثابتة التي تدور فيها الكاميرا تماماً كم يدور رأس الشبح الواقف مكانه لمراقبة ما يحصل، في البيت الذي كان فيه رجلاً وحبيباً يفكّر مع زوجته بالانتقال منه.

التنقّل بين اللقطات والمشاهد، تداخل بعضها صوتياً قبل الانتقال البصري إلى التالية منها، اللقطات الملتقطة بكاميرا جانبية، كأنّها عين الشبح الآخر الذي سنكتشف أنّه كذلك كان في البيت، في وقت متأخر في الفيلم، بل البدائية التي ظهر بها الشبح -شرشف أبيض طويل بشقّين دائريين عند العينين- هذا كلّه وغيره، جعل الفيلم أقرب ليكون قصّة حب تُنقل دون أي غاية لإثارة ”رعب“ المشاهد، بل ما قد يشعر به المُشاهد هو الالتئام مع الشبح، التعاطف معه والحزن عليه كحبيب خسرته حبيبته، أو هو خسرها، فهي قصّة رجل لم يرد أن يترك حبيبته، أراد أن يعاند الموت وأن يرجع إلى البيت الذي ماتزال تسكنه زوجته، ليأتي ويسكنه هو كذلك إنّما كغير مرئي، كشبح، وهذه هي قصّته.

يبدأ الفيلم، A Ghost Story، بأحاديث عادية، يومية، مسهبة، بين شخصيتي الفيلم الرئيسيتين، الرجل وحبيبته، يحكيان عن الرغبة في ترك البيت، وهي تحكي عن ورقة تتركها في كل بيت تغادره إلى آخر، كأنّها تريد بها أن تنهي كل علاقة لها مع المكان، فجأة ننتقل إلى لقطة نرى فيها الرجل ورأسه ملقى على مقود السيارة أمام البيت، ثم في المستشفى وهو ملقى، ميتاً، على سرير. ينهض، الميّت، ويعود إلى بيته مشياً، ليدخل ويبدأ بمراقبة حياة حبيبته اليومية من بعده، دون مقدرة منه على لمسها، يراقب الحياة التي لا يبدو أنها تغيرت كثيراً. تمرّ الأيام ويمرّ الزمن أكثر وأكثر، تترك الامرأة البيت إلى آخر، وهو يبقى فيه مستقبِلاً ومراقباً نزلاء جدداً، يرحلون ويأتي غيرهم، يمر الزمن ويتم هدم البيت، يمر الزمن أكثر وتبدأ أعمال الإنشاء لتعمير برجٍ سكني عالٍ مكان البيت، يمر الزمن ويصير البرج مزدحماً بالمكاتب والموظفين ببدلات رسمية، يتجوّل الشبح بينهم مصمماً على البقاء في المكان، في البيت المفقود، منتظراً حبيبته، دون مقدرة منه على ترك البيت لسبب هو كما يبدو عدم معرفته أين ذهبت حبيبته، ولأنّه لم يجد بعد الورقة التي تركتها هي في الجدار.

ييأس أخيراً ويصعد إلى آخر البرج السكني، ليطل على أبراج عدّة، بإضاءات تملأ السماء، كأنّ ١٠٠ عام مرّت على يوم موته وهجرانه حبيبته أو هجرانها هي إياه، يقرر الانتحار أخيراً فيُسقط نفسه من أعلى البرج لننزل، كمشاهدين، عائدين ما يمكن أن يكون ٢٠٠ عام في الزمن، إلى أيام الحرب الأهلية الأميركية، حيث نجد شبحاً يقيم في المكان ذاته مع عائلة أميركية بعربة وحصان، يمر بها الزمن لنجد أنفسنا وقد عدنا إلى الحبيبين، إلى الزمن الحاضر، وفي الشاشة شبحان وليس واحداً.

هنا تُعاد بعض المَشاهد من وجهة نظر أخرى، تأتي تفسيرية لما شاهدناه وما سمعناه، من هناك يتقدّم الزمن لنجد، يوماً الشبح وقد قرأ ما تركته حبيبته وينهار، يختفي الشبح ويسقط الشرشف وقد اهترأ. نكتشف إثرها أن هنالك أشباح في المكان وليس واحداً، أشباح تتناوب وكان أحدها هذا الرجل الذي قرر العودة إلى الحياة كشبح ليبقى مع حبيبته التي فقدها إلى الأبد حين هي تركت المنزل وليس حين هو مات بالحادث.

الفيلم لصاحب Ain’t Them Bodies Saints، ومن بطولة كايزي أفليك وروني مارا، شارك في مهرجان سندانس السينمائي ومعروض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.