سينما
اكتب تعليقُا

«لَكي» للأميركي جون كارول لينش

★★★★★

الفيلم ساخر وبحوارات ذكيّة تحتاج المتابعة والربط أحياناً لإدراك -ربّما- معانيها، هنالك معانٍ داخلية، هنالك إحالات وهنالك مضامين يمكن أن تصل حد الفلسفة إنّما بعبارات ومواضيع تكون مباشرة، هي سطحية ويومية، بمعنى أنّها أحاديث تجري في بار بين مرتاديه المألوفين، في البلدة الصغيرة في الغرب الأميركي، حيث الكل يعرف بعضه، وحيث الجميع يعرف أين الجميع يسكن.

ولعلّ حالة كهذه: المضامين الفلسفية ذات ”الأسئلة الكبرى“ والأحاديث السطحية والبادية كالعفوية في البار والمقهى، كانت بحاجة لشخصية كبطل هذا الفيلم، لَكي (محظوظ) الذي طبع الفيلمَ بطابعه، بميزات شخصيته الفريدة، لَكي الذي يمضي الوقت بين مشاهدة البرامج التلفزيونية، تلك المسابقات التي تقوم على المعلومات العامة التي لا فائدة مرجوّة منها غير المشاركة في برامج كهذه، حيث يخرج الفائز بحقيبة من المال، كما أنّه -لَكي- يمضي مساءه في البار، وصباحه في المقهى، يسلك الطريق ذاته، من وإلى هذه الأمكنة، يشتم هنا ويتذمّر هناك، ودائماً يتصدى لكل من ذمّ الوحدة، مؤكّداً، حسب القاموس، أن يكون المرء وحده (alone) لا يعني أن يكون وحيداً (lonely)، كما أن كلمة ”وحده“ تعني ”الكل“ و”واحد“ (all + one)، معطياً تفسيراً لغوياً لوحدته، دون أن يعني ذلك أنّ اللغة مرجعاً حيوياً له، ففي المشاهد الباكرة من الفيلم، نراه يحل الكلمات المتقاطعة، وهي من هواياته كذلك إضافة إلى تلك البرامج، وهي كذلك من المسابقات أو الألعاب التي يمكن أن يوظّف فيها أحدهم معرفة سطحية لغايات غير مجدية. نراه ينهض ويبحث في المعجم عن معنى ”الواقعية“ (realism) لنجده لاحقاً في البار يلقي على مسامع مرتاديه، وهم أصدقاؤه، المعنى المعجمي لهذه الكلمة، وقد حفظه غيباً دون إدراك منه للمعنى، وهو في حياته النّقيض تماماً من الواقعية، هو العدمي والكلبيّ والساخر من كل ما حوله، بدءاً بصحّته عند الطبيب وليس انتهاءً بغريب يجلس في البار. ولَكي قد اكتشف في وقت سابق من النهار أن ”الواقعية“ ”شيء ما“، ما يعني أنّ معاني الكلمات عنده ليست أكثر من كلمات أخرى مرتّبة بجانب بعضها لتشكّل المعنى دون أن يدرك ما هو خلف هذه الكلمات أو خلف هذا المعنى أو الشرح المعجمي، فالحياة عنده لا تتعدى المعرفة السطحية للأشياء (التي لا بد أن تكون ملموسة)، المعرفة المباشرة التي لا وظيفة أخرى لها غير معرفتها، أو لا جدوى من استخدامها غير التلفظ بها وبمعناها والإظهار بأنّه عارف بها.

من هنا يمكن القول أن ليس في الفيلم حكاية ما، إنّما تصوير لأيام قليلة من حياة لَكي، الحياة المملة والرتيبة والمتكرّرة، له ولمعارفه من باقي أهالي البلدة الصحراويّة المعزولة عمّا خارجها. ومن هنا يمكن إدراك التوافه التي يحكي بها هؤلاء، من فقدان سلحفاة اسمها ”الرئيس روزفيلت“ (وقد فقدها صديق لَكي، بدور أدّاه ديفيد لينش) إلى حديث لَكي مع البائعة/الجارة، وهي ”توافه“ لطيفة وودية لأهالي بلدة واحد وصغيرة.

لا حكاية للبطل هنا، بل يوميات يحاول الإسراع ببعضها كي يلحق البرنامج التلفزيوني، يوميات تتكرر وأصدقاء يلتقي بهم كل مساء، توافه بالمواضيع إنّما منقولة بسيناريو ذكيّ يحتاج القليل من التدقيق من قبل المُشاهد كي يحيله إلى فلسفة ما، فلسفة تشبه لَكي العدميّ والسّاخر من كل ما حوله.

الفيلم، Lucky، من إخراج الأميركي جون كارول لينش، وأدى البطولة فيه هادي دين ستانتون، في أحد آخر أدواره، قبل وفاته في شهر سبتمبر الفائت. والفيلم اعتمد بشكل أساسي على ستانتون الذي قدّم أداء ملفتاً: النّظرة منه، والكلمة، في سياقها وطبيعتها، كانت فعلاً كوميدياً.

لَكي بعمر ٩٠ عاماً، يمارس اليوغا كل صباح، يدخّن كثيراً ويشرب القهوة، حالته الصّحية بالنسبة للطبيب، ممتازة، مشكلته هي فقط أنّه يكبر. ولَكي ملحد، الكلمات لديه تُوجد إن كانت ”أشياء“، كما هو حال ”الواقعية“، ويقاوم آثار العمر من خلال السخرية وتكرار روتينه اليومي من اليوغا صباحاً حتى البار مساء، يكرّره منذ سنوات، دون أن يقتنع أنّ تقدّمه في العمر قد يوهن من نشاطه أو قدرته على الممارسات اليومية التي تعوّد عليها منذ سنين. على طول الفيلم يعيش المُشاهد مع لَكي، مع صبره وجلده وردود فعله الساخرة، دون أن تتطور شخصيته بالضرورة أو أن يعيش حكاية خارج روتينه.

الفيلم هو الأوّل للممثل الأميركي جون كارول لينش. شارك «لَكي» في مهرجانات من بينها لوكارنو في دورته الأخيرة، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.