فنون
اكتب تعليقُا

«نهب وإخفاء: الأرشيف الفلسطيني في إسرائيل»

تكوّن تاريخ الفلسطينيين، أو إدراكُهم لتاريخهم، من خلال حكايات وصور فردية، مجموع هذه الحكايات والصّور الفردية يشكّل الذاكرة الجمعية لهذا الشعب، أي هويّتَه كما يتوارثها، وبالذاكرة الجمعية يمكن تأليف التاريخ، يمكن للفلسطينيين حكي روايتهم لتاريخهم، وهي رواية المظلوم والمهزوم، أو رواية من أراد شاعرهم أن يكون ”شاعر طروادة“ كمان قال مرّة محمود درويش.

هذا المجموع للحكايات والذكريات والصّور الفردية يصير أرشيفاً، التاريخ يصير أرشيفاً، وما فعلته العصابات الصهيونية في حربها على الفلسطينيين عام ٤٨، ثم مجدداً (وقد صارت العصابات جيش احتلال) عام ١٩٨٢ إثر اجتياح بيروت، ثم إثر أوسلو بالسطو على بيت الشرق في القدس، كان محواً لهذا الأرشيف وبالتالي لرواية الفلسطينيين لتاريخهم.

في الأحداث التاريخية الثلاثة للنهب (وعلى طول ٦٩ عاماً من الاحتلال) كان القادة الإسرائيليون على وعي بأنّ احتلال الأرض، أي الحاضر (أو المستقبل)، لا يكتمل دون احتلال استعاديّ للماضي (أو احتلال للحاضر آنذاك)، وكذلك دون احتواء التاريخ من خلال السيطرة على الأرشيف للحؤول دون أي رواية فلسطينية لتاريخٍ لهم وبالتالي لحاضر لهم هو امتداد للتاريخ.

استطاع الفلسطينيون إنقاذ القليل من أرشيفهم، خاصة ذلك الكائن في مركز الأبحاث التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وفي مقابلة نُشرت مؤخراً مع فيصل حوراني، روى مفصّلاً عن ذلك، وقد تحدّث عن ”خمس وثلاثين شاحنة عسكرية متهيّئة لنقل ما ينقله إليها جنود إسرائيل من موجودات المركز“ وعن أنّ “أربعة طوابق من الطوابق الستّة العائدة للمركز جُرّدت من كلّ ما حوته. وإذا نجت محتويات طابقين من النهب، فلأنّ النهّابين الإسرائيليّين تلقّوا الأمر الذي تلقّته وحداتهم التي اجتاحت غرب بيروت بالانسحاب منه“. عملية نهب شاملة تلك التي قام بها جنود الاحتلال لتفريغ الحاضر الفلسطيني (أو المستقبل الفلسطيني آنذاك) من تاريخه، وللتاريخ الفلسطيني من المكان الفلسطيني، كما حاولوا تفريغ المكان من الإنسان عام النكبة.

هذا كلّه ندرك معناه أكثر في فيلم القيّمة والباحثة في التاريخ البصري، الإسرائيلية رونا سيلاع، «نهب وإخفاء: الأرشيف الفلسطيني في إسرائيل» (٢٠١٧) والذي عُرض قبل أيام في ”مهرجان أفلام في أعقاب النكبة ونحو العودة“ الذي تنظمه جمعية ”ذاكرات“، إذ يُبنى الفيلم على مشاهد أرشيفية مرفقة بأصوات خلفية (ڤويس أوڤر) لسيلاع نفسها التي حكت بمرافقة صورٍ ثابتة ومتحرّكة من عام النّكبة، عن النّهب في حينه، تحديداً من مكتب رشيد الحاج إبراهيم، رئيس اللجنة القومية في حيفا، ثم عن دور إسماعيل شموط في التوثيق، عارضةً لقطات من أفلام كان هو قد أخرجها، يتبعها صوت المخرجة والباحثة في الأرشيف خديجة حباشنة (وزوجة المخرج الفلسطيني مصطفى أبو علي) التي حكت بمرافقة صور من الأرشيف البصري للثورة الفلسطينية المعاصرة وكذلك تحدّثت عن سينما الثورة الفلسطينية، يتبعها صوت جندي سابق شارك في اقتحام مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت يروي كيف نهبوها، يتبعه صوت صبري جريس، مدير مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت ثم في القدس الشرقية، يحكي عن نهب مركز الأبحاث في بيروت، وكان لكل متحدّث فصلٌ من الفيلم.

والفيلم مبني تماماً على الأرشيف الذي نهبه جيش الاحتلال خلال مراحل مختلفة منذ عام النكبة، وقد جرى الإغلاق على هذه المواد الأرشيفية (صور وڤيديو ووثائق) ضمن الأرشيف العسكري الإسرائيلي. أرشيف لم يكن الفلسطينيون متأكّدون من وجوده ومن أنه لم يُتلَف. حتى ما قاله فيصل حوراني في المقابلة، وهو حديث مفصّل، لم يصل إلى مآل الأرشيف، وكان أيّ حديث عن المآل افتراضات.

فيلم سيلاع مهمّ لذاته، إنّما مهم بدرجة أكبر لما يشير إليه، وهو أن الأرشيف الفلسطيني هناك، لدى الأرشيف العسكري للاحتلال، وهو أرشيف كبير، وأنّ سيلاع، كإسرائيلية، استطاعت الحصول على إذن للدخول إليه والبقاء لساعات طويلة كي تَخرج بمواد فيلمها أخيراً، وهو فيلم لا يتجاوز الساعة، ويشير إلى مئات الساعات من الأرشيف الفلسطيني التي ماتزال هناك، ساعات مصوّرة يمكن أن تعيد تشكيل الصورة في أذهاننا عن النكبة وما بعدها، عن سنوات الثورة الفلسطينية المعاصرة التي أخرجت العديد من الأفلام الموثِّقة لمرحلة تاريخية لدى الشعب الفلسطيني، تماماً كما يمكن أن تكونه قصص وروايات كنفاني وحبيبي وجبرا.

لم يُسرق هذا الأرشيف من المراكز وحسب، بل كذلك من الأفراد، هنالك العديد من الصور التي سُرقت من جيوب فلسطينيين بعدما قتلتهم العصابات الصهيونية عام النكبة، صور شخصية صارت بمجموعها صوراً جمعية لشعب بأكمله أراد الاحتلال سلبه ذاكرته المصوّرة فبناها الفلسطينيون بالحكي، بنوا روايتهم بالكلام والصور المتخيَّلة المتناقلة من جيل النكبة الذي يكاد يختفي اليوم، إلى هذه اللحظة التي نعرف فيها أن أرشيفنا هناك، في مكان ما لدى الاحتلال، خاضعة أولاً لرقابة صارمة ومفتوحة جزئياً، ثانياً، لإسرائيليين فقط. والفيلم، بذلك، يذكّرنا بالكتاب التوثيقي كذلك، لإيلان بابه «التطهير العرقي في فلسطين» الذي أصدرت ترجمته ”مؤسسة الدراسات الفلسطينية“.

تنهي سيلاع الفيلم قائلة بأن إسرائيل ”تشعر بالتهديد من كل ما يضعف موقفها الإنكاري، من الأرشيف الفلسطيني والرواية الفلسطينية، فهي تتمنى محوهما من المجال العام، لتسيطر الرواية الرسمية الإسرائيلية على التاريخ، لكنها لا تنجح رغم ذلك، فالمقاومة أقوى…“.

تماماً كما أن الأمكنة جزء أساسي من ذاكرة الفلسطينيين، وقد سطت عليها إسرائيل، على بيوتهم ومحتوياتها، فتصوير هذه الأمكنة والنّاس فيها هو الوسيط بينها (الأمكنة) وبين حاضر الفلسطينيين، هي المادة التي تلجأ إليها الذاكرة بين وقت وآخر لتتحقّق من صحّتها، فكان لا بد للاحتلال بعدما استولى على الأمكنة أن يستولي على ما يجعلها موثَّقة في ذاكرة الفلسطينيين الفردية والجمعية، يجعلها واقعية وغير متخيَّلة، يجعلها صوراً تُرى لا صوراً تتناقل كلاماً، كالحكايات، من جيل إلى آخر.

هويّة الفلسطيني هي تاريخه وهي علاقته بمكانه/أرضه، وهي الوثائق البصرية والمكتوبة التي تؤرّخ لهذه العلاقة، هذا ما حاول الاحتلال سلبه بعدما سلب المكان/الأرض، فبنى الفلسطينيون الصّور بالحكي والخيالات. واستعادة هذا الأرشيف ومطابقة الصورة الذهنيّة معه هو كذلك أسلوب مقاومة، وهو أسلوب أساسي لحفظ الهوية واستعادة التاريخ، وبالتالي المكان.

في القدس العربي

الصورة أعلاه من الفيلم، وكذلك هذه الصور:

Advertisements
This entry was posted in: فنون

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.