سينما
اكتب تعليقُا

«المرآة» للسوفييتي أندريه تاركوفسكي

★★★★★

هو أكثر الأفلام ذاتيّة وأوتوبيوغرافيّة، حيث يروي تاركوفسكي فيه سيرته، وأكثرها شاعرية وتجريبيّة وأقلّها حكائيّة، وأكثرها عصياً على الفهم، وبالتالي أكثرها تفاوتاً في التقييم، أبرزها كان تصنيفه بالمرتبة ١٩ في لائحة مجلة «سايت & ساوند» لأعظم ١٠٠ فيلم في التاريخ. وهو الفيلم الخامس والأخير الذي نتناوله هنا ضمن ما تمّ ترميمه مؤخراً ليُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

التجريبية هنا تأتي في بنية الفيلم، في سرد حكايته، في الشعريّة البصرية التي تُنقل بها هذه الحكاية، فتاركوفسكي معروف بشعريّته البصرية، وهذا الفيلم هو المثال الأفضل على ذلك، في تداخل مستمر، من أول الفيلم إلى آخره، بين الواقع والأحلام والذكريات، بين الأزمنة التي لا تكفّ عن التنقّل فيما بينها، بين الشخصيات ومراحلها العمرية المختلفة، وهي هنا تتركّز على الأم وابنها، أمّا الأب فجلّ حضوره يكون من خلال تأثير غيابه المادي عنهما. الأزمنة المتداخلة هنا يمكن تقسيمها إلى: الطفولة في الرّيف، الحرب العالمية الثانية، وعالم ما بعد الحرب، تكون الأم فيها كلّها البطلة، لوحدها. والزّمن عنصر حكائي هو من بين أكثر ما تميّز به الفيلم.

لا تأتي المتعة هنا من إدراك أو متابعة ما حصل، بس بمشاهدته كما هو، بالدّخول في أجوائه دون اللحاق بقصّة ما، لأنّ اللحاق بالقصة يكون مرتبطاً عادة بمسار يبدأ ويتطوّر وينتهي، إنّما نحن هنا أمام شظايا غير متتابعة، ولا حتى ذات صلة ببعضها موضوعياً، ولا بطبيعتها، فبعض المشاهد يأتي مرفقاً بقراءة شعرية (من شعر والد المُخرج وبصوته، هو شاعر معروف في روسيا) وبعضها مشاهد من الأرشيف وبعضها مشاهد تأملية وبعضها مشاهد بصوت خارجي (فويس أوفر) وبعضها مشاهد بشخصيات وأحاديث، وهذا كله يأتينا عبر راهن الطفل وعبر ذاكرته، مع اختيارات مرهفة لموسيقى من باخ. إضافة إلى أن قسماً من الفيلم كان بالألوان وقسماً بالأبيض والأسود، في تواتر بينها، وقد قُسّما زمانياً وليس مكانياً كما هو الحال في فيلمه «ستوكر» الذي تلا هذا الفيلم بأربع سنين.

قد لا يكون من اليسير إدراك الفيلم من المشاهدة الأولى بسبب كل هذه التداخلات المتعلّقة بالأزمنة، نضيف إليها لجوء تاركوسفكي إلى الممثلة ذاتها (مارغاريتا تيريخوفا) لأداء دور والدته في زمن طفولته وزوجته في زمان لاحق، ثم تداخل الخاص بالعام، ذكرياته الشخصية هو في سياق ذكرياتٍ عامة هي المشاهد الأرشيفية المتعلّقة بالحرب العالمية الثانية، والممثل هو ذاته الذي أدى دور تاركوفسكي الطفل في أربعينيات القرن، وابن تاركوفسكي في ستينياته.

إن كان لا بد من حديث عن ”الحكاية“ هنا، فهي، ومن خلال ما تمّ ذكره أعلاه من تداخلات: أندريه تاركوفسكي الطفل الذي سيصير سينمائياً، يموت أبوه الفنّان الذي لطالما كان غائباً عنه وعن والدته، وقد نزحت مع طفلها إلى الرّيف من موسكو تفادياً لاحتمالات الحرب هناك. يكبر الطفل نفسه ليكون رجلاً بعلاقة غير مستقرة هي الأخرى مع زوجته.

في الفيلم مشاهد صارت من بين الأكثر اقتراناً بتاركوفسكي وأفلامه، منها جلوس والدته على حافة البئر تنظر إلى بيت يحترق بالكامل، منها شعرها المضموم على بعضه خلف رأسها، زوجته المستلقية في الهواء فوق السرير، زوجته نفسها أثناء غسيل شعرها وانهيار السقف خلفها، والعديد من المشاهد التي لا يجد أحدنا لها تفسيراً واحداً أو حاسماً، وقد كانت وظيفتها بالأساس بصرية، جمالية، تأمّلية، هي تماماً “صور شعريّة”. لا نقول تأتي على هامش السياق السردي للفيلم، بل هذه المشاهد هي المكوّن الأساسي للفيلم الذي تأتي المشاهد ذات الطبيعة السردية، على هامشه، وقد قلب تاركوفسكي بذلك منطق السينما وجمالياتها.

الفيلم (The Mirror) إذن مبني على الوصف أكثر منه على السرد. والوصف هنا، في السينما، يأتي بصرياً، الصّوت فيه يأتي بلا معنى، أي أنّه أساساً أصوات ما نشاهده وليس كلاماً بمعنى، وكثير منها أتى بمشاهد مبطّأة أطالت زمن الجماليات هذه، أطال زمن إدراكنا لهذا الوصف دون أن يطيله هو.

هنالك إحالة للأدب في هذا الفيلم، في توصيف عمل تاركوفسكي عليه بأنّه المقابل السينمائي لـ ”تيّار الوعي“ في الأدب، حيث التّداخل والتداعي بين مشاهد لا رابط حكائي بينها، تماماً كالذكريات التي تأتي كصور لا علاقة لها ببعضها بالضرورة. لذلك وصّفنا العمل بالتجريبي في السينما، ولذلك نال تقييمات متناقضة.

يأتي الفيلم الشعري (القصيدة السينمائية) في المنتصف ضمن سيرة تاركوفسكي الفيلميّة، وهي كذلك نقطة انعطافية إلى سينما أكثر شعرية وتجريبية وذاتية ونضوجاً، ولكل ما ذُكر أعلاه ولأن الفيلم هو الأكثر شعريّة كان لا بد أن يستغرق زمناً أقلّ من باقي أفلامه، 107 دقيقة فقط.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.