سينما
اكتب تعليقُا

«المدرعة بوتمكين» للسوفييتي سيرغي أيزنشتاين (١٩٢٥)

★★★★★

لمناسبة مرور قرن على الثورة البلشفية في روسيا، عام ١٩١٧، عرضت قناة ARTE الثقافية عدّة أفلام وثائقية وروائيّة تناولت الثورة -مع ما سبقها وما لحقها- من عدّة نواح، من بينها كان واحداً من أهم الأفلام في تاريخ السينما وأكثرها تأثيراً، وهو فيلم المخرج والمنظّر السوفييتي سيرغي أيزنشتاين «المدرعة بوتمكين»، وهو فيلم قصير نسبياً (٧٥ دقيقة) إنّما فيه مشاهد تُدرّس وصارت تأسيسية لكيفية أخذ اللقطات وعلاقة اللقطة بموضوعها، وتحديداً المونتاح الذي يقطّع ويوصّل بين اللقطات.

قد نعود إلى أيزنشتاين لاحقاً، خاصة أنّ “سينماتيك تولوز” ستقيم عروضاً استعادية لأفلامه خلال شهر يناير بمناسبة مرور مئة وعشرين عاماً على ولادته (١٨٩٨-١٩٤٨)، من بينها سيكون فيلمه العظيم الآخر «أكتوبر»، الذي عُرض مؤخراً في المسرح الوطني في تولوز (TNT) مرفقاً بعرض بيانو وقد اختار العازف أن يرافق الفيلم بموسيقى لبيتهوفن لأسباب منها عشق فلاديمير لينين لموسيقاه كما قال، والفيلم يصوّر الثورة الروسية، بل هو الوثيقة الفنيّة الأقوى عنها، وله عنوان إضافي بالإنكليزية هو «عشرة أيام هزّت العالم» للصحافي الأميركي جون ريد.

بالعودة إلى «المدرّعة بوتمكين» (١٩٢٥) وهو الفيلم الأشهر للمخرج السوفييتي، ومن إنتاج «موسفيلم» السوفييتية، يروي الفيلم قصّة مأخوذة بشكل أمين عن أحداث واقعية، وهي تمرّد بحّارة المدرّعة بوتمكين وعصيانهم أوامر الضبّاط الذين سينفّذون مجزرة بالأهالي، في مشهد ملحميّ على الدرج الطويل الذي بدا بتصويره كأنّه لا ينتهي. فالفيلم كلّه عبارة عن مقدّمة تُظهر علاقة البحّارة الفقراء بالضبّاط الأغنياء، ثمّ التمرّد عليهم والتحامهم مع تحرّك النّاس في البر.

الفيلم مقسّم إلى فصول: ”رجال وديدان“ ويصوّر عدم اكتراث الضبّاط بالديدان التي تملأ اللحم الذي يأكله البحّارة، ما يشكّل سبباً أوّلياً لتمرّد البحّارة. ”دراما على ظهر السفينة“ وفيه يحاول الضّباط إعدام مجموعة من المتمردين قبل أن يحول رفاقهم دون ذلك. “رجل ميّت ينادي بالعدالة“ حيث يموت أحد البحّارة وتصل السفينة إلى ميناء أوديسا. ”درج أوديسا“ حيث المشاهد المروّعة للمجزرة التي ارتكبها الضّباط ببنادقهم ومن مدرّعات أخرى، بحق الأهالي. الفصل الأخير هو ”واحد ضدّ الجميع“ حيث تحاول مدرّعة بوتمكين لوحدها مواجهة باقي مدرّعات القيصر الرّوسي وتدافع عن الأهالي. والأحداث هذه جرت عام ١٩٠٥، في المحاولة الأولى لقيام فقراء روسيا بثورتهم التي لم تؤدِّ إلا إلى حكومة انتقالية برجوازية تحل محل القيصر وتمارس مهامه نفسها.

البطولة في الفيلم كما هو واضح، جماعيّة، فليس هنالك بطل فرد يعود إليه الفضل في كل ما يحصل، وهذه إحدى ميزات السينما السوفييتية حيث تكون البطولة للجماعة. نرى ذلك في مشاهد المعارك على ظهر المدرّعة كما نراه على السلّم حيث يكون جمعُ النّاس مقابل جمع العساكر.

أُنجز الفيلم في الذكرى العشرين لثورة ١٩٠٥ التي فشلت آنذاك وأسماها لينين “بروفا الثورة”، ليصير اليوم أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما، محتلاً المرتبة ١١ في مجلة «سايت & ساوند» لأفضل مئة فيلم في التاريخ وهو أحد فيلمين احتوتهما لائحة المجلة الإنكليزية بكلّ نسخها منذ انطلقت اللائحة الأولى عام ١٩٥٢، وقيمته الفنّية تفوق قيمته التوثيقية والدعائية.

والفيلم مثال تطبيقي على نظريات أيزنشتاين بخصوص المونتاج التي طوّرها (مع ليف كوليشوف) في مدرسة موسكو للسينما، وهي بأنّ المونتاج هو أساس السينما، ما كان واضحاً في أفلام سوفييتية معاصرة (صامتة) أخرى، معطياً، للمونتاج وطبيعة توالي اللقطات، مضامين بمعانٍ، كلقطة تماثيل الأسد في الفيلم وكغيرها من اللقطات المتتابعة في مجزرة درج أوديسا كعربة الأطفال المتدحرجة والأم المنكوبة والشاب مبتور الساقين والمرأة المصابة في عينها، وتفاعلها مع غيرها، في لقطات مقرّبة ومع اللقطات الأبعد التي احتوتها المَشاهد والتّي صوّرت الدرج من أعلى، والعساكر من أسفل، مجاوراً بين لقطات سريعة وقصيرة إنّما متناقضة مع بعضها من حيث الشكل والمضمون، أي طبيعة اللقطة والجسم الذي يلتقطه.

للفيلم (Battleship Potemkin) تأثير لا للطبيعة المونتاجيّة فيه وحسب، بل لقدرته التحريضية على الثّورة، وقد مُنع في عدّة دول من بينها -لفترة- الاتحاد السوفييتي، وأميركا وفرنسا وتعرّض للقص، إلا أنّه بصيغته الحالية المرمّمة هو كامل، بمشاهد العنف وبمقدّمة كتبها ليون تروتسكي له، وقد تم حذفها في موسكو آنذاك.

بالحديث عن طبيعته التحريضية، يقول المخرج الإسباني لويس بونويل في مذكّراته «أنفاسي الأخيرة»: حتى الآن ما تزال لدي تلك المشاعر التي أوجدها الفيلم في كل منّا، فعندما تركنا صالة السينما بدأنا بإقامة الحواجز بأنفسنا، وكان على الشرطة أن تتدخّل كيف نتوقّف.“

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s