سينما
اكتب تعليقُا

«لم تكن حقاً هنا أبداً» للسكوتلندية لين رامسي

★★★★★

حكاية الفيلم مأخوذة عن رواية قصيرة (نوفيلا) بالعنوان نفسه، ما رجّح سرداً سريعاً وانتهاء غير متوقّع للفيلم، ما يمكن أن يكون قبل أوانه. الفيلم للسكوتلندية لين رامسي، وهو رابع أفلامها وقد يكون أفضلها وهو حتماً مختلف عنها جميعها، وهو من الأفلام المستقلة، إذ أنتجته ”أمازون“، الشركة التي باتت تنافس استديوهات هوليوود، وهو من كتابة مخرجته، أما تصوير الفيلم وسرد حكايته فهو كذلك ما يقارب الأفلام الفنية المستقلة، والفيلم أخيراً، شارك في مهرجان كان السينمائي وخرج منه بجائزتين: سعفة أفضل سيناريو وسعفة أفضل ممثل للأميركي جواكين فونيكس، صاحب الأداء البديع في هذا الفيلم وفي ما سبقه.

الفيلم مقل في حواراته، معتمد بشكل كبير على الصورة، تحديداً الصورة المقرّبة، يبدأ بها الفيلم ويطيل بصوره المقرّبة دون أن يدرك المُشاهد أين هو، بخلاف ما اعتادت عليه السينما في بدايات الفيلم وهو اللقطة البانورامية التي تهيّئ المُشاهد إلى الأحداث بإظهار مكانها له من بعيد.

هنا، يبدأ الفيلم بالتفاصيل التي يستمر بالتركيز عليها، علامات وأشياء صغيرة ملأت عرض شاشة السينما، على طول الفيلم، وهذا التصوير القريب، جداً أتى مقابل تفاد تام لتصوير الأفعال التي قامت عليها الحكاية وهي أفعال العنف، فلم نر العنف غالباً، لا من بعيد ولا من قريب، بل رأينا آثاره، رأينا الشخصية الرئيسية، جو، كيف تودي بالآخرين إلى حتفهم بضربة واحدة من مطرقة، نرى المشهد من الخلف، من ظهره، أو من خلال كاميرا مراقبة، دون أن يصلنا كاملاً، لا نرى دماء ولا أحشاء تسقط أرضاً.

في الفيلم سلوك عنيف، واقعي بعنفه، بل بفكرة العنف لديه، فالبطل، جو، حين قال له السناتور الأميركي الذي طلب منه البحث عن ابنته، بأنّه سمع عنه بأنّه متوحّش، ردّ: ”أستطيع أن أكون“.

هنالك ما يزيد من وطأة فكرة العنف لدى جو، فهو بجسد ضخم، لحية كثّة ملامح غاضبة، جسد مليء بالندبات، وهو كذلك جندي أميركي سابق عاش الويلات والتوحّش، لا تفارقه صور من طفولته حيث كان أبوه يعنّف أمّها، نراه أثناء العمل، كقاتل مأجور، يقتل بالمطرقة، الأداة التي كان أبوه يخوّف أمّه بها، كل ما ذُكر من مسببات لعنف مفرط في شخصيته يقابله شخص آخر تماماً داخل البيت: ابن حنون على أمّه العجوز، متوحّد مع نفسه ومعها، يمسح أرضية الحمام بعدما ملأتها أمّه بالماء أثناء استحمامها، يحبّ الشوكولاتة والملبّس والمشروبات الغازية، كأنّ طفولته التي أهدرها أبوه بعنفه، وهي لقطات فلاشباك سريعة تأتيه لجو بين وقت وآخر، امتدّت إلى عمره الحالي، كأنّ ذلك الطفل لم يكبر، بل كبر جسداً وعنفاً وحسب.

الحكاية هي بحث جو عن ابنة سيناتور أميركي بطلب من الأخير مقابل مبلغ كبير من المال، الابنة مخطوفة لدى أشخاص يعرفهن السناتور ولا يريد للشرطة بأن تتدخل بالموضوع. ينقذ جو الطفلة ويأخذها إلى فندق ينتظران فيه أبوها، هناك يشاهدان في التلفزيون خبر مقتله، يتم اقتحام الغرفة وخطف الطفلة مجدداً، تكون لدى الحاكم المرشّح للولاية، الذي يخطف الفتيات لاغتصابهن، فالموضوع سياسي بقدر ما هو إجرامي. يلاحق جو الطفلة باحثاً عنها لإنقاذها، ثم ينتهي الفيلم من حيث لا نتوقع، قائلة الطفلة لجو بأن يخرجا لأنه يوم جميل، يرد بأنه يوم جميل فعلاً، هي قد قُتل أبوها ولا تعرف أين تذهب، وهو الذي قُتلت والدته كذلك من العصابة نفسها ويجيب الفتاة بأنه كذلك لا يعرف أين يذهب.

فالفيلم (You Were Never Really Here) يحتوي على أفكار فرعية ناقدة للسياسات المحلية في أميركا، عصابات أقطاب القوى هناك، وكذلك ناقدة للسياسة الخارجية الأميركية حيث الحروب التي كما تدمّر مجتمعات وبلاد في الخارج تدمّر أفراداً في الداخل  هم الجنود السابقون. ويحتوي على أفكار رئيسية هي هنا حكاية الفيلم، ليس الخلفية لشخصيته الرئيسية وسبب توحّشه ولا الخلفية لعملية خطف الفتاة. الفيلم تشويق وهو فيلم جريمة لكنه كذلك وتماماً فيلم سيكولوجي إذ تكون هنالك أسباب سيكولوجية تخص جو كطفل كبير متوحّش متوحّد وتخصّ علاقته بأمّه.

الإشارة إلى فيلم ألفريد هيتشكوك «سايكو» في البداية، حيث كانت أمّه تشاهد الفيلم ليلاً منتظرة عودة ابنها، إشارة باكرة إلى الرابط بين الابن وأمّه من جهه، وحاله السيكولوجية التي تجعل منه مجرماً من جهة ثانية، وهو ما يتشارك فيه الفيلمان، إلا أن جو الذي يجد أمّه مقتوله، ما فعله كان انتقاماً من قاتلها واستمراراً في البحث عن الفتاة. كل ما أراد معرفته لحظتها هو إن كانت أمّه قد تألّمت قبل أن تُقتل. يسأل قاتلها قبل أن يقتله، في حوار قصير، في فيلم مقل بالحوارات ومعتنياً بها وقد ساهمت في أن ينال السعفة الذهبية لأفضل سيناريو.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s