سينما
اكتب تعليقُا

«موضوع الرّغبة الغامض هذا» للإسباني لويس بانويل (١٩٧٧)

★★★★★

هو آخر أفلام الإسباني لويس بانويل، وقد تخفّف فيه من السرياليّة التي عُرف بها، منذ فيلمه الأوّل، أحد أشهرها وأقصرها «كلب أندلسي»، ١٩٢٩. ضمن سيرة فيلميّة طويلة جعلت من بانويل أحد أبرز المخرجين ذوي الأسلوب الخاص، موضوعاً وتصويراً. أنجز بانويل الفيلم عام ١٩٧٧، وهو يقارب الثمانين من عمره.

يكمل «موضوع الرّغبة الغامض هذا» هذه الأيام عامه الأربعين، وقد عُرض مؤخراً ضمن نسخة مرمّمة، في سينماتيك تولوز، لا يبتعد فيه بانويل عن عوالمه وغرائبيّتها إنّما مقترباً أكثر إلى واقعيّة تجعل حكاية الفيلم ممكنة، وإن تخللتها صدف وتفاصيل غرائبية.

الحكاية مأخوذة عن رواية من القرن التاسع عشر للفرنسي ليير لويس بعنوان «المرأة والدمية» وقد نُقلت أكثر من مرّة إلى السينما، إنّما ما اختاره بانويل، وهو غير المألوف وهو أساساً من بين أكثر ما ميّز الفيلم، كان اتّخاذ ممثلتين متباينتين في شكلهما لتأدية دور البطلة، وذلك لإبراز عدّة أوجه للبطلة أو تحديداً للحالة النفسية لها في محاولاتها ردّ التحرّشات الجنسية، وفي الفيلم موضوع سيكولوجي أساسي هو الرّغبة الجنسية المكبوتة لدى البطل.

الحكاية هي لرجل اسمه ماتيو، مسنّ وغني، يُعجب بخادمة في بيت أحدهم، يتحرّش بها فتترك عملها في اليوم التالي، تجمعهما أكثر من صدفة، يعيد فيها مصارحتها بإعجابه ورغبته بها، أمّا هي فكيفيّة استجابتها لذلك، سلوكاً وحديثاً، لا يشي بما تريده، أو بما تبدو أنّها تريده. قد يشير غالباً إلى قبولها لمغازلاته وتحرّشاته إنّما رفضها تماماً لممارسة الجنس معه، أي الاستجابة لرغبته التي تبقى مكبوتة. يلتقيان مجدداً، يتجاذبان ويبتعدان، يختلفان ويتفقان، دون أن ينال منها مراده، ودون أن يفهم سبب تجنّبها لممارسة الجنس معه، وهي عذراء كما قالت له، وهي تحبّه كما قالت كذلك. وهذه نسخته من الحكاية، وجهة نظره.

لهذا الاضطراب في الحالة التي نشاهد حكايتها، بين ماتيو المتوتّر وبين كونشيتا، الإسبانية الأندلسيّة التي يقع في حبّها أو في رغبته بها دون أن يفهم ما تريده هي تحديداً، ودون أن تبدو هي حائرة أو لعوب، فكل منهما مقتنع برؤيته للحب أو للعلاقة بينهما: هو بتحقيق رغبته الجنسية مهما دفع مالاً مقابله، وهي بتحقيق استحقاقه لحبّها وليس شراءه لهذا الحب.

اختار بانويل أن ينقل هذه الشخصية النسائية بممثلتين: واحدة أقرب لتكون فرنسية والأخرى إسبانية، والفيلم تجري أحداثه بين البلدين، ويحكيها هو أثناء الانتقال من مدريد إلى باريس بالقطار إذ تكون حكاية داخل الحكاية.

ماتيو (فرناندو راي، في رابع تعاون له مع بانويل) يدخل إلى القطار باحثاً عن مقعده، تلحقه امرأة، دون أن نعرف ما حصل ويحصل نجده يمنعها من دخول القطار ويدير على رأسها سطلاً من الماء. يعود إلى مقعده ويبدأ برواية حكايته للجالسين معه، حكايته مع هذه الامرأة التي رأوه يدير السطل عليها. فندخل في الحكاية من اللحظة التي تعرّف فيها على كونشيتا. تتوالى الذكريات التي يرويها بتقطّعات تصل بنا إلى الزمن الحالي وهو فترة الانتقال في القطار بين البلدين، إلى أن نصل إلى الجزء الأخير من حكايته وهي التي تصل زمانياً إلى اللحظة التي لحقته فيها إلى القطار وأدار سطل الماء عليها، لنجدها قد دخلت القطار وتأخذ الحكاية طابعها الواقعي وليس الحكائي/الذكرياتيّ، وتكتمل إلى أن ينتهي الفيلم، يتخلّل ذلك إدارتها لسطل ماء على رأسه انتقاماً، والوصول إلى باريس.

هذا النّقل للحكاية، من خلال ذكريات (فلاشباك) ومن خلال رواية أحد الطرفين لها، منحها فرصة ”واقعية“ لتكون مبالغاً بها في أكثر من تفصيل، لتكون المرأة فيها هي غير المفهومة (أو ”الشيطان“ كما كان عنوان أحد الأفلام التي نقلت الرّواية/الكتاب) ولتكون هي الخلل في العلاقة بين الاثنين، ويكون الرجل، ماتيو، هو صاحب الرغبة الواضحة بينهما. علماً أنّ الحكاية نفسها يمكن إعادة روايتها من وجهة نظر كونشيتا التي تخلّت عن عملها أكثر من مرّة، وهي الفقيرة، لتبتعد عن هذا المتحرّش المسنّ والغنّي والمتعجرف والعنيف الذي أدمى وجهها.

ما اشتغل عليه بانويل أكثر من غيره كان سيكولوجيا الامرأة التي أدّتها ممثلتان: واحدة بملامح إسبانية (أنجيلا مولينا)، سمراء، تحكي وتتصرف كامرأة شهوانية وعفوية وهي التي ترقص الفلامنكو، والأخرى بملامح فرنسية (كارول بوكيه)، شقراء، باردة وكتومة. كل من المؤديتين تمثّل حالة نفسية لكونشيتا نقيضة عن الأخرى، نرى إحداهما تدخل إلى الحمّام لتخرج الأخرى، فالتداخل بينهما ممتد على طول الفيلم، وإن كانت الرئيسية منهما هي الإسبانية، لكن الاثنتان تردّان تحرّشات ماتيو إنّما كلٌّ بطريقتها.

يمكن لكونشيتال أن تبدو كشيطان مجسّداً بامرأتين، هذا ما أراد ماتيو إفهامه لمستمعي حكايته، ومشاهديها، لكنّها برأينا امرأة واحدة أصرّت على ألا تكون ”موضوع رغبة“ أحدهم، وأن تردّ تحرّشات الرجل حتى اللحظة الأخيرة. تقول له كونشيتا: لا أحد يمتلكني، أنا أمتلك نفسي. وهو ما لم يفهمه ماتيو المتمتّع بسلطة ذكورية يمنحه إياها المجتمع وتزيد منها ثروتُه التي يحاول بها شراء كونشيتا والرغبة الجنسية لديها.

في فيلمه الأخير (Cet obscur objet du désir)، أكمل بانويل نقله للرغبات الإنسانية، الجنسية قبل غيرها، إلى السينما، في فيلم احتمل أكثر من تأويل، تماماً كما هي الرّغبات الإنسانيّة.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.