سينما
اكتب تعليقُا

«الختم السابع» للسويدي إنغمار بيرغمان (١٩٥٧)

★★★★★

بدأ الموسم الجديد (٢٠١٧-٢٠١٨) في سينماتيك تولوز، وذلك ببرنامج يشغل شهر أيلول/سبتمبر هو ”الأفلام التي لا بد أن تكون قد شاهدتها“ ويشمل العديد من كلاسيكيات السينما العالمية، بل من بين أفضلها، منها ما تناولناه مسبقاً على هذه الصفحات لمناسبات أخرى، كـ «قانون اللعبة» للفرنسي جان رينوار و«شروق» للألماني مورنو، ومنها واحد من أكثر الأفلام تأثيراً في تاريخ السينما -ما سنتناوله هنا- وهو «الختم السابع» للسويدي إنغمار بيرغمان، والفيلم، بالمناسبة، يمرّ هذا العام بذكراه السبعين، فقد صدر عام ١٩٥٧، بتصوير وإنتاج سريعين ومتقشّفين أُجبر عليهما بيرغمان، فيخرج أخيراً بتحفة سينمائية عابرة للزمن.

يقع الفيلم في المنتصف، أو نهايات النصف الأول من السيرة الفيلمية لبيرغمان، والمليئة بتحف أخرى خُلّدت عالمياً، وهو، كمعظمها كذلك، من كتابته إضافة إلى إخراجه، والنّص الأصلي لها هي مسرحيّة لبيرغمان ذاته (Wood Painting)، كتب عنها السيناريو لهذا الفيلم.

مكان الحكاية هو قرى سويدية، الزمان هو القرون الوسطى، القرن الرابع عشر، تحديداً في الزمن الذي عمّ فيه أوروبا -حتى شمال السويد- الطاعون، ما عُرف آنذاك بحقبة ”الموت الأسود“. أمّا العنوان الغرائبي، كالفيلم، فهو يدلّ على فقرة من ”رؤيا يوحنا“، إذ يبدأ الفيلم بالفقرة وينتهي بها: ”ولما فتح الحملُ الختمَ السابع حدث سكوت في السماء نحو نصف ساعة“ أمّا في الأرض، حيث تجري أحداث الفيلم، فكان ما هو دون ذلك: النّاس والموت مجسَّداً، وكانت تلك النصف ساعة غياباً تاماً للرب حين كان الشرّ، وهو الموت مجسَّداً هنا، يلاحق النّاس ليقبض أرواحهم.

غياب تام للرب (أو الملائكة أو كل ما يمكن أن يمثّل الخير) في الفيلم مع حضور دائم للموت مجسّداً برجل مسجّى بعباءة سوداء لا يخرج منها سوى وجهه الأبيض الباهت بملامحه الباردة، إنه الموت. والفيلم يطرح مسألة الإيمان والإلحاد بتقابل المتناقضات: الفارس العائد من الحملات الصليبية وقد فقد إيمانه بالله، يجابه الموت الذي هو الرمز الوحيد للعوالم الماورائية، بما فيها الرّب، ينازله بلعبة شطرنج تمتد على طول الفيلم.

يبدأ الفيلم (The Seventh Seal) بالفارس بلوك ورفيقه، عائدين إلى البلاد بعد غياب لعشرة سنين، وقد عمّها الطاعون وصارت في حال قياميّة (أبوكالبتيّة). يلعب الفارس وحيداً الشطرنج على الشاطئ، يقترب منه الموت معلناً أن ساعته قد أفلت، يسأله الفارس إن كان يجيد لعب الشطرنج ويتّفق معه على أن يلعبا بشرط أن يفلت منه إن ربح، وذلك كي يطيل بقاءه على قيد الحياة في طريقه إلى قريته. بموازاة مشوار الفارسين، هنالك عربة لمهرّجين تجول في البلاد وتقدّم عروضها، يلتقي الفارسان بالمهرّجين (رجل وزوجته وطلفهما) في إحدى القرى التي تجري فيها عملية إعدام لإحدى المتّهمات بالسّحر، يتعاطف معها الفارسان غير المؤمنين بكل تلك الطقوس القروسطيّة. ينقذ أحد الفارسين أحد المهرجين من مخمورين في حانة، يمضي الأربعة، طريقهما إلى حيث لم يصل طاعون بعد لكنّ الموت يلاحقهم ويلاعب الفارسَ الشطرنج.

هنالك سيطرة تامة للموت على الجميع، الكل يهابه، حتى الفارس الذي لا يؤمن بأنّ ساعته تأتي هكذا، بقدوم الموت دون مبررات، فهو عائد من حرب وبكامل صحّته ووعيه. وهو جيّد في علاقته مع الآخرين، وصديقه كذلك، يشاركه آراءه الإلحادية وكذلك علاقته الجيّدة مع الغرباء، وقد أنقذ امرأة مرّة والمهرّج مرة أخري.

نحن أمام سلوك إنساني هنا، يقابله الموت، كممثل للشر، دون أي حضور لقوة خير، للملائكة أو للرب، كأنّ الإنسان وحيد في معركته مع الشر، فلا وجود لعوالم ماورائية هنا. أما الموت فأتى مجسَّداً ويلعب الشطرنج، أي أن العوالم كلّها مادية، ملموسة، الخيّر خيّر لأسباب واضحة، وكذلك الشرير شرير لأسباب واضحة ونراها، يشمل ذلك الموت الذي يلاحق النّاس ”لقتلهم“.

في الفيلم تقابل بين بلوك الفارس، وبين الموت ذو الوجه المريب، في لعبة شطرنج أخذ فيها الموت الحجارة السّود معلّقاً بأنه اللون الأنسب له. الفارس تمثيل للخير وهو هنا الإنسان الذي يقابله الشر وهو الموت، الإنسان كمنقذ والموت كقاتل، في غياب تام للرب، أو لأي قوى خير من خارج هذا العالم. هو ما يجعل الفيلم، وهذا مقصد بيرغمان، حجّة للمادية والعقلانية في مقابل الإيمانية والغيبية.

في مقابلة أجريت مع بيرغمان عن الفيلم سئل عن سبب تجسيد الموت فقال أن المشاهد إن لم يرَ الموتَ فلن يصدّق ما يحصل أمامه. فصوّر الموتَ وليس آثاره، جعله شخصية في الفيلم تتحدث وتتحرّك وأخيراً تقود الآخرين إلى حتفهم، وبخصوص هذا المشهد، وهو الأخير في الفيلم، وفيه واحدة من اللقطات الأبرز فيه وفي عموم السينما العالمية، وهي اللحظة التي يسوق فيها الموت الآخرين إلى حتفهم، فقد صوّره بيرغمان -الذي عانى من تضييقات مالية أساساً فبقي سيناريو الفيلم لسنين في أدراجه- حين رأى السّماء ملبّدة بالغيوم، في آخر النّهار، وقد انصرف العاملون والممثلون من موقع التصوير، فخطرت له الصورة: الموت يسوق الشخصيات الأخرى إلى الموت، وهي تكملة لأحداث سابقة وأخيرة في الفيلم. لم يرد بيرغمان للصورة أن تفوته، فاستدعى من تبقى من العاملين، مع مارّين غرباء، ألبسهم ثياب المساقين إلى حتفهم، ورقصوا كما يمكن أن يفعل المُساق إلى حتفه دون أن يعرفوا ما يفعلونه ولمَ، وصوّرهم بلقطات بعيدة بحيث لا تُرى ملامحهم، لتُعرض لثوان فقط في نهايات الفيلم وتكون إحدى أبرز لقطاته.

الفيلم الرائع الأقرب ليكون تراجيديا مسرحيّة، نال جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي.

في القدس العربي

 

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s