سينما
اكتب تعليقُا

«آني هول» للأميركي وودي ألن (١٩٧٧)

★★★★★

هو واحد من الأفلام القليلة التي يمكن لها أن تلخّص قمّة المنجز السنمائي لألن، وهو صاحب السيرة الفيلمية الطويلة، المتعدّدة شكلاً ومضموناً والمقسّمة لمراحل. قد يكون «آني هول» والأفلام المزامنة له (السبعينيات) فاصلاً بين الفترة الأولى لألن، حيث الكوميديا أولاً، حيث يطغى الأساس الذي أتى منه ألن وهو الإضحاك (الستاند أب كوميدي)، والفترات اللاحقة (الثمانينيات والتسعينيات)، وأفلامه ما بعد الألفين التي صارت تتخذ منحى كلاسيكياً في السرد، مبتعداً عن التجريبية.

هنا، في هذا الفيلم الذي يكمل اليوم عامه الأربعين، استطاع ألن أن يوظّف الأفضل في جانبه الكوميدي، كمسبّب للضحك، والأفضل في جانبه السينمائي فيشتغل على الإخراج والمونتاج والسيناريو والكيفية التي يسرد بها حكايته.

الفيلم التجريبي لا يبدأ بموسيقى جاز، ولا بأحاديث تبدو آتية من منتصفها، كما سيعوّدنا في أفلامه اللاحقة، ولا بلقطات مبعّدة للمكان كما يفعل معظم المخرجين، مقدّمين للمُشاهد نظرة عامة عن المكان الذي ستجري فيه الحكاية، بل بحديث مواجهاً الكاميرا، يقدّم الحكاية من خلال نكتتين ”فلسفيّتين“ يمهّد بهما لما سيأتي. وتقنية محادثة المشاهد بشكل مباشر ستتكرر في الفيلم، من قبل ماكس تحديداً (ألفي سينغر، الشخصية الرئيسية وأدى دوره ألن ذاته) الذي يحكي لنا عن علاقته بآني، منذ بدأت إلى أن انتهت، ماراً بمشاهد متفرقة من العلاقة تروي المصير المأسوي لها من خلال النّكات، فيكون الفيلم من لقطته الأولى روايته هو لمشاكل العلاقة بينهما -لهذا أتت مضحكة- ما يجعل السرد ذاتياً، فالراوي هو إحدى الشخصيتين الرئيسيتين.

الفيلم أشبه بما يُعرف بـ ”تيار الوعي“ في الأدب، أي تتداعى الأفكار والمَشاهد كالذكريات، تتلاحق دون أن تكون مرتبطة ببعضها بالضرورة، لتحكي معاً، بشكل متفرّق، شظايا من علاقة ماكس بآني، دون أن تُقدّم بتراتب زمني، بل تتتابع كأحاديث ماكس إلينا، كمشاهدين، أحاديث وذكريات تخرج من أخرى، تتقافز في الزمن إلى أن يروي لنا كيف انفصلا.

هذا الأسلوب في السرد هو عمل المونتاج، ومونتاج الفيلم هو إحدى أبرز ميزاته. ومن ميزاته كذلك الحوارات، فهو فيلم مبني على الحوارات، متقطّعة كأنّها اسكتشات كوميدية، معظم حديث ماكس يأتي ساخراً أو ممازحاً أو على شكل نكات، في وقت يكون فيه حديث حبيبته، آني هول، جدياً ومستوعباً له إلى أن تتغيّر تدريجياً، من البرود الجنسي إلى هجره هو ومدينته نيويورك، إلى لوس أنجلس حيث وجدت من ينتج لها ألبومات غنائية، فلا تعود تغنّي في البارات التي بدأت الغناء فيها وقد كان ماكس واقفاً إلى جانبها.

الفيلم كوميدي بامتياز، وإن كانت النهاية تراجيدية بالنسبة لماكس. لكنّه كذلك فيلم رومانسي بامتياز، هو حكاية حب تبدأ وتستمر إلى أن ينتهي الفيلم بانتهائها، نرى فيها حبّاً صافياً من جهة ماكس، حباً مغلفا بالسخرية لا نشعر بألمه إلا أخيراً، حين نراه حزيناً، خائباً، وقد تركته حبيبته. لكن دون أن ننسى أننا نستمع إلى روايته هو، وليس هي، لما حصل. وهي ليست رواية حيادية. في المشهد الأخير مثلاً، نراه يشرف على أداء نص لمسرحيته الأولى بعد انفصالهما، والمسرحية تحكي قصة حبهما، نشاهد المشهد الذي تتركه فيه، في المطعم، نراه في المسرحية التي كتبها قد غيّر فيها، فيكون هو من تركها وليس العكس، وهي، المسرحية، نسخة أخرى معدّلة لقصة الحبيبين.

التجريبية في الفيلم تعدّت بدايته والمونتاج على طوله، إلى العديد من مشاهده، كالمشهد الذي تنقسم فيه الشاشة إلى اثنتين: كل من ماكس وآني عند الطبيب النفسي، كل منهما يحادث الطبيب كأنّه يرد على الآخر. وكذلك مرافقة أحاديثهما، في مشهد آخر، بكلام مكتوب أسفل الشاشة، يعبّر عما يريد فعلاً أحدهما أن يقوله، عمّا هو خلف ما يتلفّظ به من كلمات، وذلك في لقائهما الأوّل الذي ستبدأ منه حكاية الحب المؤلمة والمضحكة في آن.

ليس في الفيلم حكاية تقليدية، أو ليس فيه سرداً تقليدياً للحكاية، وهذا ما يعطي أهميّة لما يحصل أمامنا بمعزل عمّا يمكن أن ينتج عنه، فالمشاهد التالية لن تكمل ما سبقها، ولن تعتمد عليه، أما النتيجة النهائية فنعرفها مسبقاً وهي الانفصال بين ماكس وآني. القصص القصيرة جداً التي يشرح مجموعُها لمَ حصل الانفصال، هو ما نشاهده.

قد يكون الفيلم، «Annie Hall» (1977)، تمثيلاً مباشراً لألن نفسه، وحكاية الحب التراجيدية تمثيل لحكايته في الواقع مع ديان كيتن التي أدت دور آني، إذ كانت تجمعهما علاقة انتهت قبل تصوير الفيلم بأعوام.

الفيلم الذي أظهر ألن في قمّة إبداعه السينمائي، فاز بأوسكارات أفضل فيلم وأفضل إخراج وأفضل سيناريو (شارك هو في كتابته) وأفضل دور نسائي (ديان كيتن)، كما فاز بجوائز مماثلة في محافل أخرى عديدة.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.