سينما
اكتب تعليقُا

«بلايتايم» للفرنسي جاك تاتي (١٩٦٧)

★★★★★

هو ثالث أفلام شخصية ”مسيو أولو“ التي ابتكرها المخرج الفرنسي جاك تاتي في فيلمه «إجازة مسيو أولو» (١٩٥٣) ثم استمرّ بها في «خالي» (١٩٥٨) و«بلايتايم» (١٩٦٧) و«ترافيك» (١٩٧١)، بزيٍّ وسلوك يذكّرنا بشخصية تشارلي تشابلين، ذا ترامب (معطف طويل ومظلة وقبعة وغليون)، وأسلوب سينمائي ومواضيع ورموز خاصّة بتاتي توجّه فيها تحديداً لنقد المجتمع الحديث والآلي الذي اجتاح فرنسا، والعالم، مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

الفيلم كوميدي ساخر، ناقد، مقلّ بأحاديثه، بل ويبدو العديد منها بلا معنى، أي تبدو كملافظ تفوقها لغة الجسد أهميّةً في إيصال معناها، إضافة إلى التأثيرات الصوتية الساخرة والإلكترونية الأعلى من اللازم، الكاريكاتورية. والفيلم، كما في باقي أفلامه، من بطولة تاتي الذي شارك في كتابتها.

في هذا العام يكون قد مرّ على الفيلم نصف قرن، خمسون عاماً على نقد لاذع لمجتمع من المعدن والبلاستيك والزجاج والباطون. لن نشعر اليوم، بعد كل هذه السنين، بغرابة أفكاره التنبئيّة، التي يصير فيها الإنسان آلة، تتبع آلات أخرى، منظماً بشكل متطرّف، مبرمَجاً، موظّفاً، مثله كمثل السيارة التي يركبها والمكتب الذي يعمل فيه.

الكوميديا في الفيلم تعتمد على تفاعل مسيو أولو، الغريب عن كل هذه الحداثة، مع ما ومن حوله، فأتت الكوميديا من خلال أدائه، ردود فعله، تناقض شخصيته مع كل ما ومن يرتطم به، باستثناء سيّدة بدت مختلفة عن الباقي بأمر بسيط هو لون فستانها الأخضر، واهتمامها بالزّهور الملونة وبسيدة تبيع الزّهور في كشك على الرصيف، فكان الفستان والزهور الشيء الوحيد الملوّن في الفيلم الممتلئ بألوان معدنية: الرمادي بدرجاته إضافة إلى الأسود وألوان أخرى باهتة، بدءاً من السيارات إلى المباني إلى الملابس إلى المكاتب وغيرها من ديكورات الفيلم التي أنشأها تاتي خصيصاً له، أي أن كل ما نشاهده داخل إطار الكاميرا هو مركّب من أجل الفيلم، حتى أضواء الشوارع والمباني العالية التي ظهرت في خلفيات الصّور.

في الفيلم إشارات مبكّرة جداً إلى ما صار يُعرف لاحقاً بالعولمة، أي عولمة الصناعة/المنتجات المتماثلة لجهة صانعة/منتجة واحدة، وتعميمها على العالم، كأن نرى ملصقات إعلانية لتلك المباني ذاتها، كصور متطابقة، مع أسماء مدن تتواجد فيها، عواصم عالمية تماثلت فيها المباني الضخمة الأشبه بمكعبات ”الليغو” وتحلّ محلّ المعالم التاريخية والأثرية لكل مدينة، فنرى هذه المباني الضخمة في أحياء تُعرف بشوارعها الصغيرة كحيّ مونمارت في باريس، أو قريبة من المركز التاريخي للمدينة، حيث تطل على برج إيفيل وتجانب جسر ألكساندر الثالث. إنّما، المكان كلّه هناك، عبارة عن شوارع عريضة نظيفة وسيارات عديدة ومباني متكاتفة، وكلّه بالرّمادي.

ليس في الفيلم حكاية، فموضوعه وأسلوبه لا يحتملان. الفيلم عبارة عن يوم يمضيه مسيو أولو في باريس، قادماً من خارجها، حيث يبدأ يومه في شركة له موعد مع أحد مدرائها، هناك يبدأ باستكشاف غرائبية العالم الحديث، من المدخل إلى الكراسي إلى الزجاج إلى المكاتب الأشبه بالأحواض الزجاجية المغلقة على الموظفين فيها، إلى كل ما تطاله يده أو عينه. والفيلم مليء بهذه ”الموجودات“ التي جعلها تاتي مادة للسخرية وتوسّلها لنقد عالم حديث يسطو على المدينة، وهو موضوع باقي أفلام سلسلة مسيو أولو.

لا يفوت تاتي الإشارة بوضوح إلى المجتمع الطبقي، وهو اللازم تماماً للمجتمع الصناعي، حيث تتوسّع الهوّة بين أفراد المجتمع، وذلك، في الفيلم، من خلال المطعمَين المتجاورين، واحد للفقراء كان فيه مسيو أولو، وجده فيه أحد العاملين في المطعم المجاور، الفخم والتابع لفندق في المدينة، فسلّم عليه وأخبره بأن يذهب معه إلى المطعم الفخم، فعل مسيو أولو وبدأت تظهر تناقضاته مع المطعم وروّاده وهم فرنسيو بيض ومسنّون وأغنياء، إضافة إلى أميركي لا يكف عن محاولة السيطرة على كل ما حوله، من خلال النقود والرشوة تحديداً.

التصوير موضوعي، أي أنها وجهة نظر خارجيّة، قد تكون للمُشاهد مثلاً، لمراقب من خارج هذا العالم، تظهرها أماكن تموضع الكاميرا التي غالباً ما تكون بعيدة، تصوّر من زوايا غير مريحة لها، كأنّ أحداً يراقب ما يحصل من خلال مدّ رأسه أو الانزياح قليلاً ليرى ما يمكن رؤيته. لعلّ المخرج أراد بذلك إشراك المُشاهد باتخاذ موقف مما يراه من خلال جعله مراقباً، أو مقحَماً في ما يحصل.

صُنّف الفيلم (Playtime) بمرتبة ٤٣ في لاحة مجلة «سايت & ساوند» لأعظم ١٠٠ فيلم في التاريخ، وهي لائحة يندر فيها وجود الفيلم الكوميدي، قد يكون «بلايتايم» العبثي والساخر من الحداثة، من أبرزها.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.