سينما
اكتب تعليقُا

«المخدوعات» للأميركية صوفيا كوبولا

★★★★★

يمكن ترجمة عنوان الفيلم كذلك بـ ”الضحايا“ أو ”المغشوشات“، وإن اعتمدنا على العنوان الأصلي، الإنكليزي، لتساءلنا بعد مشاهدة الفيلم: من خدع من؟ وفي الفيلم طرفان متقابلان: النّساء والجندي، وإن أوحى ملصق الفيلم: النساء الثلاث كخلفية للعنوان ”المخدوعات“ بأن الحديث عنهن. تدعم هذه الفرضية العنوان الفرنسي للفيلم الأقرب لتكون ترجمته ”الفرائس“ إذ يمكن الاستدلال إلى أن المقصود هنا هنّ النّساء، وذلك لأن الصفة بالفرنسية تذكَّر وتؤنَّث بخلاف الإنكليزية.

لكن لا يوحي تطوّر الحكاية ولا نهايتها تحديداً، بأنّ الرجل هو المفترس وهن الفرائس. التفسير الأرجح سيحملنا إلى طبقات أبعد في طبيعة العلاقات داخل الفيلم، لفهم من افترس من، ما يجعلني أضع النساء والجندي معاً، كفرائس أو ضحايا، في مقابل الحالة التي يعيشونها، أو تحديداً الغرائز التي وصلت خلال زمن الفيلم إلى أقصاها، وهي غريزة البقاء حيث الموت والحرب الأهلية تجري في الخارج، خارج القصر الذي يسكنونه، وحيث اختلاء النساء به أودت غريزة الجنس بالحكاية كلها إلى حتفها.

تجري الأحداث في فرجينيا، في الولايات المتحدة الأميركية، أثناء الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر. في الغابة خارج القصر الذي تعيش فيه السيدة مارثا (نيكول كيدمان)، وارثة القصر وسيدته والتي تعلّم فيه بضع بنات الموسيقى واللغة الفرنسية وتقودهن دائماً إلى أداء الصلوات، مختبئات من أهوال الحرب في الخارج، في الغابة حيث تلم صغيرة، إحدى الفتيات، الفطر عن الأرض لطبخه، تجد كوبورال (كولين فاريل)، جندي من قوّات ”الاتحاد“،  أي من الأعداء بالنسبة لهن، مصاباً ملقى على الأرض، مختبئاً، تنقله إلى القصر وتعتني النساء به، تضمّد السيدة جرحه في ساقه ويبقى لأيام. يصير حديث الفتيات والنساء في القصر، الجميع يريد المرور بغرفته أو الدخول عليه وسؤاله إن أراد خدمة ما، تتطور مشاعر متوازية بينه وبين ثلاث منهن: ربّة القصر وهي مارثا التي تتحكم بعواطفها أخيراً وتبقى صارمة، والمدرّسة الأخرى في القصر (كريستين دنست) التي تنشأ بينهما علاقة جعلته يطلب منها مرافقته حين يرحل، وإحدى الطالبات اللعوبات (إيل فانينغ) التي تستطيع جرّه إلى غرفتها.

في غرفتها، ستشعر المعلّمة التي تحبه بحركة في الغرفة المجاورة، تدخل وتراه على سريرها، ينفجر الوضع لتكون لحظتها هي ذروة الفيلم، لن يكون الفيلم بعدها كما كان قبلها، شخصيات الفيلم ونبرته والمشاعر المتبادلة فيه، سيصير العنف هو المحرّك هنا. ستعود غريزة البقاء للتحكم بسلوكهم وليس غريزة الجنس.

الغريزة الأولى في الفيلم هي البقاء، هي التي جعلت الرجل جندياً وهي التي جعلت الفتاة تأخذه إلى القصر وجعلت سيّدة القصر تعالجه، وهي التي جعلتها أخيراً تقطع ساقه، بعدما أُسقط في القصر عن الدّرج ولم تكن ساقه المخترقة بالرصاص قد شفيت بعد. أما إسقاطه عن الدرج فكان بسبب الغريزة الأخرى وهي الجنس، وذلك بعدما اكتشفت حبيبته أنه في غرفة إحدى الطالبات على سريرها، وأساساً فإن ذهابه لإمضاء الليلة مع تلك الطالبة كان للغريزة نفسها، والغريزة نفسها جعل باقي من في القصر: النساء المنعزلات عن الرجال في الخارج واللاتي تغيّر روتين أيامهن بعدما وصل رجل إلى مكان إقامتهن. أخيراً، بعدما صحا ورأي ساقه المقطوعة، صار متوحّشاً وانقلبت العلاقة بينه وبينهن من انجذاب جنسي إلى انتقام ومحاولات قتل. يصرخ في وجههن بأن ينظروا إلى ساقه الآن، وأنه لم يعد رجلاً.

كما بدأ الفيلم بغريزة البقاء ينتهي محرَّكاً بهذه الغريزة، بعدما طوّرت حكايتَه غريزةُ الجنس التي أُثيرت في البيت لدى ساكناته بعدما دخل رجل إليهن، وإن كان مصاباً، وإن كان كذلك جندياً في جيش العدو.

الفيلم مأخوذ عن رواية لتوماس كولينان بالعنوان نفسه، وقد نقله أولاً إلى السينما الأميركي دون سيغال عام ١٩٧٢. وهو كتابة وإخراج صوفيا كوبولا، ابنة المخرج الأميركي فرانسيس فورد كوبولا، لكنها أساساً مخرجة جيّدة، ولها رصيد من أفلام قد يكون أهمها «Lost in Translation»، ٢٠٠٣. و«المخدوعات» يُعتبر وجهة نظر نسائية للحكاية كلّها، أظهرت كوبولا ذلك أساساً من خلال زوايا التصوير، إضافة إلى مضمون الفيلم المكتوب.

الفيلم (The Beguiled) المعروض في الصالات الفرنسية هذه الأيام، شارك في مهرجان كان السينمائي الأخير ونالت مخرجته عنه جائزة أفضل مخرج، وهي بذلك تكون ثاني امرأة تنال الجائزة في المهرجان، بعد السوفييتية يوليا سولنتسيفا التي نالت الجائزة نفسها عام ١٠٦١ عن فيلم « Chronicle of Flaming Years».

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا يعيش في باريس. محرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة “القطّان” للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء»، ورواية «تذكرتان إلى صفّورية» التي نال مشروعها منحة “آفاق” للرواية، ورواية «سيناريو» التي نال مشروعها منحتين من “اتجاهات” و”المورد الثقافي”.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.