سينما
اكتب تعليقُا

«ستوكر» للسوفييتي أندريه تاركوفسكي (١٩٧٩)

★★★★★

قد يكون هذا الفيلم هو المتسبّب بالموت المبكّر لأندريه تاركوفسكي، فقد كان من المفترض أن يتم تصويره في طاجيكستان، لكنّ زلزالاً حال دون ذلك، فانتقل فريق الفيلم إلى إستونيا، وكان موقع التصوير مجاوراً لمصنع كيماويات، ما رجّح أنه السبب في موت المخرج السوفييتي بعدها بسبع سنوات بمرض سرطان الرئة، عن ٥٤ عاماً، بعد سبعة أفلام روائية طويلة هي اليوم من بين أجمل ما أخرجته السينما إلى العالم.

«ستوكر» (أو «المتعقّب» أو «ستالكر») هو من الأفلام الخمسة التي تم ترميمها مؤخراً وبدأت عروضها في الصالات الفرنسية، وهو الفيلم الروائي الخامس لتاركوفسكي، وقد أخرجه عام ١٩٧٩، ثم استطاع أن يخرج بعده فيلمين هما «نوستالجيا» و«ساكريفيس» إضافة إلى وثائقي شارك في كتابته وإخراجه وبطولته هو «رحلة في الزمن» والذي يحكي فيه تاركوفسكي عن رؤيته الفلسفية والشعرية للسينما، كما يفعل في كتابه «النحت في الزمن».

هذا هو الفيلم السوفييتي الأخير لتاركوفسكي، من حيث الإنتاج ومواقع التصوير، فالفيلمان التاليان كانا مزامنين لسنوات المنفى التي عاشها في إيطاليا قبل أن يموت في باريس حيث كان يتعالج من مرضه.

الفيلم مقسّم إلى عالمين، منقسمين فنياً وفلسفياً، الأول هو الذي يبدأ وينتهي به الفيلم، مصوّر بالأبيض والأسود (سيبيا تحديداً) بإضاءة ساطعة في مناطق من الصورة و، تحديداً، عتمة قاتمة في مناطق أخرى. يبدأ في بيت الشخصية الرئيسية وهو المتعقّب، ويستمر إلى أن يصل مع اثنين آخرين إلى مكان اسمه ببساطة “المنطقة”، ثم في نهاية الفيلم حين يعودون من “المنطقة” يرجع الفيلم ليكون أبيض وأسود. أما معظم زمن الفيلم، فكان ملوّناً، طاغ عليه الأخضر، وكان في “المنطقة” وسراديبها وغرفتها.

أما الحكاية فهي كالتالي: رجلان عاديان، بل يبدوان تافهين، يُنادى أحدهما بالكاتب والآخر بالبروفيسور، يلتقيان بالمتعقّب كي يوصلهما إلى “المنطقة”، وهي مكان المتعقّبون فقط من يستطيع الوصول إليه. المتعقّب هو رجل أحمق، ساذج، قلق، خائف، مأسوي، وسخ، غير متحكّم بمن/بما حوله، شخصية دستويفسكيّة بامتياز، أما الآخران فهما انتهازيان غير معنيين بمشاعر أحد، يرغب أحدهما للوصول إلى الغرفة للتخلص من عقدة الرايترز بلوك التي تمنعه من الكتابة والثاني لتحقيق رغبته في القيام بإنجاز علمي. يشكو المتعقّب لزوجته أخيراً بأنّهما لا يؤمنان في شيء.

لا أسماء هنا، الثلاثة معروفون بمهنهم، ومحو الأسماء هو جزء من مهو الفردية والهوية الشخصية لكل واحد في المجتمع القمعي والعسكري والصّناعي الذي خرج منه الثلاثة للدخول إلى “المنطقة”.

وهذه “المنطقة” هي عالم آخر، قد تؤدي محاولة دخوله إلى الموت بالرصاص من قبل الحرّاس التابعين للدولة الذي يطلقون النار على كل من يحاول الاقتراب من حدودها. شيء ما يعجل الدولة حريصة على منع السكّان من دخولها، وهي منطقة ملوّثة بشكل مريع، كأنّ كارثة حلّت بها، دمار وتسريب كيماوي وهجران لسنوات طويلة، ما جعلها تبدو عالماً أبوكالبتياً، قيامياً، غير مأهول، تبدو عليه آثار الآدميين المدمِّرة، حتى من خلال التلويثات الفردية كقطع معدنية مرمية هنا أو هناك. لكن هذا هو الشكل، الصورة التي أتت عليه المنطقة، أم ما يجعل الدولة القمعية تمنع الناس من دخولها فهو قدر الغرفة القابعة في عمق “المنطقة” على تحقيق الرغبات الآدمية الفردية.

إذن في عمق هذه “المنطقة” هنالك “الغرفة”، وهي الغاية التي أراد الرجلان الوصول إليها، وهي المكان الذي يمكن فيه أن تتحقق الآمال والرغبات المقموعة لأحدنا، فهي نهاية المشوار ومقصده. يصل الثلاثة ويبقون فيها لفترة، لا يقتنع الرجلان بأن هذه هي الغرفة التي يمكن أن تحقق لهم رغباتهم، يتحدّثون إلى أن يخبرهما المتعقّب بأنّ عليهم العودة قبل حلول المساء.

الفيلم المأخوذ عن رواية للأخوين ستروغاتسكي، وقد كتبا السيناريو كذلك، هو خيال علمي بالمعنى العام، لكنّه أساساً فيلم ديستوبيا، حيث عالم الخراب المثالي، هو كذلك فيلم فنّي شاعري، وهو فلسفي سياسي، فإسقاطات تاريخية يمكن أن تُجرى عليه، منها دمار مفاعل تشيرنوبل في أوكرانيا (حصلت بعد إنتاج الفيلم بسبع سنين) وتأثيراته على الناس، ومنها أساساً رحلة الانتقال من القمع الذي تمارسه الدولة إلى الحرية حيث الطبيعة وحيث الغرفة التي نحقق فيها أقصى رغباتنا والتي تحاول الدول قتل المحاولين للوصول إليها، لذلك ربّما كان للفيلم مشاكل جوهريّة مع الرقابة السوفييتية.

في الفيلم البطيء والطويل حيث لا قيمة فعلية للزمن، لكل لقطة جمالياتها البصرية. اشتغل تاركوفسكي على الشّكل هنا كما اشتغل على المعنى. في القسم المصوّر بالأبيض والأسود، وكاد دائماً بلمسة صفراء، كان التباين بين اللونين شديداً، بين الإضاءة والعتمة. أما في القسم الآخر، “المنطقة”، فقط صُوّرت بالألوان، وكان الأخضر الطبيعي طاغياً. حتى في اللقطات الداخلية، ألوان الطبيعة هي الغالبة، فإضافة إلى الأخضر هنالك ألوان التراب والحجارة والمعادن.

حساسية الصورة رافقتها حساسية الصّوت، أصوات التفاصل كانت حاضرة كما تصويرها، أصوات الطبيعة والمياء وحركات الرجال الثلاثة. الصوت هنا هو جزء من الحكاية، كما الصّور، المَشاهد الطويلة والصامتة كانت كذلك جزءاً من الحكاية، حكاية التنقّل بين عالم قاتم محكوم بالقمع وعالم حرّ ملوّن إنّما مُدمّر، صار ديستوبيا، دمّرته الدّولة التي ماتزال تحكم بالقمع في العالم الآخر.

للفيلم (Stalker) ذاته تاريخ كارثي، فقد تمّ تصوير الفيلم مرّة ثانية بعدما تلف تماماً، وقبله خضع للكثير من إعادة الكتابة، ليخرج لنا أخيراً، بنسخته التي جعلته أحد أفضل الأفلام في تاريخ السينما (رقم ٢٩ في لائحة «سايت & ساوند» لأفضل ١٠٠ فيلم) ومرجعاً أساسياً للأفلام التي تصوّر الحياة الأبوكالبتيّة، حيوات ما بعد الدّمار.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب فلسطيني من سوريا ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، يكتب النقد السينمائي في «القدس العربي». صدر له «خطايا لاجئ» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" للقصة القصيرة، و«ليس عليكِ سوى الماء». صدرت له رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، وقد نال مشروعها منحة "آفاق" للرواية. يعمل حالياً على كتابة رواية نال مشروعها منحتين من "اتجاهات" و"المورد الثقافي".

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.