سينما
اكتب تعليقُا

«عاشقة اليوم الواحد» للفرنسي فيليب غاريل

★★★★★

فيليب غاريل هو الامتداد المستقر لـ «الموجة الجديدة» منذ ستينيات القرن الماضي حيث أخرج أفلامه الأولى، وامتدّ باستقرار كأنّ أفلامه آتية من تلك المرحلة، إلى اليوم، حيث يُعرض آخر أفلامه في الصالات الفرنسية، وقد شارك مؤخراً في مهرجان كان السينمائي، ضمن تظاهرة “أسبوعي المخرجين” ونال جائزة عنه.

وغاريل يواصل، في فيلمه هذا، موضوعاته ذاتها، في أفلامه الأخيرة تحديداً: قصة حب تتداخل فيها أكثر من شخصيتين، في باريس، لطبقة وسطى، مثقفة، بنبرة هادئة لسير أحداث الفيلم ولأحاديث وأمزجة شخصياته، ودائماً، بالأبيض والأسود. ولعلّ أجمل ما في فيليب غاريل أنه يعيد نفسه، أنه يعيد الجمالية الطافحة في كل فيلم يصنعه، يخرجه ويكتبه، وهو كاتب جميع أفلامه.

جيل (إيريك كارافاكا)، أستاذ فلسفة في الجامعة، يقيم علاقة سرية مع طالبته، أريين (لويز شيفييوت)، منذ ثلاثة أشهر، وهي تعيش في بيته، يبدأ الفيلم بممارستهما الحب في تواليت الكليّة، الصوت الأول الذي نسمعه هو تأوهاتها، وهذا تقديم مناسب لأريين التي يقصدها العنوان بـ “عاشقة اليوم الواحد”. لجيل ابنة، جان (إيستير غاريل، ابنة المخرج، بعدما مثّل معه مراراً ابنه لوي الذي شارك في المهرجان ببطولة فيلم «المريع» متقمصاً جان لوك غودار)، ٢٣ عاماً، تنفصل عن حبيبها وتذهب إلى بيت أبيها دون أن تعرف أن هنالك من تسكن معه، وهي بعمر عشيقة أبيها، تتصادق الفتاتان، ويمضي الثلاثة أياماً قليلة جيدة، يتخللها خيانة أريين لجيل عدة مرات، في الأخيرة منها يراها، في تواليت الجامعة، تمارس الجنس مع طالب عرّفتها عليه ابنته، ويتقدم الفيلم بعد ذلك إلى نهايته.

ليس في الفيلم أحداث تريد أن تتطور، فهي تجري في أيام قليلة، ولا حكاية للشخصيات فيه فتتطور في هذا الزمن القصير، وعنوان الفيلم قد يوحي بهذا الاختصار في حكي ما يدور، وقد يكون التقشف في الحوارات إشارة أخرى، رجل يعيش مع ابنته وعشيقته، في تداخل سيكولوجي حسّاس لتماثل عمر الفتاتين وعلاقة كل منهما بالرجل. لكل من الفتاتين فهمها الخاص للحب، الأولى تبكي لأن حبيبها تركها والأخيرة لأن حبيبها اكتشف خيانتها، الأولى تسعى للعودة إلى حبيبها والثانية تسعى لتجريب الجنس مع غرباء، لمجرد اللذة، وتمر أحاديث عن معنى أن يكون الواحد مخلصاً لحبيبه، ويكون حبيباً حقيقياً، تدور بين الفتاتين كما بين جان وأبيها. جان عاشقة رومانسية ومخلصة، وأريين متعدّدة العلاقات اليومية.

يبدأ الفيلم بأريين تصعد الدرج، تقف، لقطة مقربة على وجهها، تنتظر مدرّسها، تنظر حولها، تبحث عنه أو تتأكد من أن أحداً لا يراها أو هو توتّر طالبة ستقابل عشيقها/مدرّسها بعد لحظات ليمارسا الحب في التواليت. ثم نراهما في العتمة، لقطة مقربة على وجهها كذلك، إنّما أثناء الممارسة، بصوت واضح ونقي لتأوهاتها.

أشرتُ مسبقاً إلى أهمية المشهد الأول، هنا، في تقديم هذه الشخصية، المثيرة للاستفزاز إنّما بالقدر نفسه للإعجاب كشخصية تراجيدية في عصرنا الحديث ويومياته التافهة، لكنّ المشهد، من الناحية السينماتوغرافية، اللقطات المقربة والعتمة المسيطرة على هذه اللقطات، وهو حال ممرات وسلالم وتواليت الكليّة في تصوير أبيض وأسود، كان مشهداً فاتناً.

عذاب الحب ولذته، الإخلاص والخيانة، الانسجام والانفصال، هذه مواضيع أثيرة لدى غاريل الذي تناولها في أفلامه الأخيرة ضمن حكايات لا تختلف كثيراً، وشخصيات متشابهة، كأنّ الأفلام امتداد لبعضها، لا تثقلها الأفكار ولا تعقّدها طريقة السرد ولا تُدخل المُشاهد في متاعب إدراك ما يحصل، ولعلّ قصر زمن الأحداث، وقصر مدّة الفيلم، ولحظيّتها، ومحدودية الشخصيات، ما يجعل الحكاية مركّزة في مكان وزمان وشخصيات محدّدة لا تخرج عنها، وهذه من ميزات أفلام غاريل، للتكثيف الذي فيها ولإمكانية تحويل العادي إلى جمالي، ولإمكانية تحويل أفكار فلسفية إلى مشاهد يومية عادية.

وهذه الأخيرة تظهر في الحوارات، لا في ما تتحدثه الشخصيات وحسب بل في السياق الحكائي القصير الذي تتحدث فيه، وفي الأسلوب البصري الذي ينقل هذه الأحاديث.

وضعُ الامرأتين مقابل بعضهما، حيث تتشاركان الأحاديث أكثر مما يفعل أحدهما مع جيل، الأب والعشيق، ووضعهما في بيت واحد، وبعمر واحد، وبحديث متكرر عن الحب وما يعنيه لكل منهما -فجان حاولت الانتحار في وقت تقول أريين لجيل أنها ستزور والدتها لنجدها عند عشيق غريب عنها- بوضعهما مقابل بعضهما بهذه الصورة برزت أكثر فكرةُ تَمثّل الحب في كل منهما، إذ تراه إحداهما عاطفة أولاً وتراه الأخرى حسّاً أولاً.

هذا الفيلم (L’Amant d’un jour)، هو آخر ثلاثية للمخرج غاريل، حيث يتكرر الكثير مما ذُكر في هذه المقالة، في الفيلمين الآخرين «ظل النساء» في ٢٠١٥ و«غيرة» في ٢٠١٣. لا حكاية ولا شخصيات تربط بينها إنّما الأسلوب السينمائي وطبيعة الحكاية والشخصيات في كل منها، وقصر زمن الفيلم إذ بالكاد يتجاوز الواحد منها الساعة. في مقابلة مع غاريل نشرتها مجلة «دفاتر السينما» في عدد الشهر الماضي، يقول عن الثلاثية: عندما أصنع فيلماً -ولذلك أحب بيرغمان بالقدر الذي أحب فيه غودار تقريباً- هنالك توظيف فرويديّ أفرضه على نفسي. في «غيرة» موضوعي كان امرأة عصابيّة، في «ظل النساء» الرغبة الجنسية النسائية، في «عاشقة اليوم الواحد» كان اللاوعي النسائي.

في مراجعتي للفيلم ما قبل الأخير لغاريل السنة الماضية، «ظل النساء»، قلت بأن الفيلم لا يبدو حنيناً لفترة “الموجة الجديدة” في فرنسا، بقدر ما هو فيلم جديد قادم مباشرة من ذلك الزمن، من ستينيات السينما الفرنسية بكل جمالياتها، الأمر ذاته ينطبق على هذا الفيلم، وهو ما يجعلني أقول بأن أجمل ما في فيليب غاريل أنّه يكرّر نفسه.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s