سينما
اكتب تعليقُا

«العشيق المزدوج» للفرنسي فرانسوا أوزون

★★★★

للفيلم بداية قوية، ستبقى غالباً في ذاكرة السينما طويلاً، لا تمتد لأكثر من دقيقتين أو ثلاث، وهي لقطتان: الأولى للبطلة، كلوي، بلقطة مقربة جداً، يقصّ الكوافير شعرها، لتبدو لاحقاً في الفيلم كلّه بشعرها القصير، تبدو وهي تنظر إلى الكاميرا كأنها خلف قضبان هي خصلات شعرها يتم قصّها، ما يمكن أن يفسّر علاقتها بشريكها، كامرأة، ما سنشاهده في الفيلم. تلحقها لقطة من داخل الرحم تنسحب خروجاً منه، ليتداخل الرحم مع عين كلوي، وتخرج الكاميرا منها لنجد الفتاة عند طبيبة تفحص لها الرحم بسبب آلام في المعدة، سيتركّز الفيلم على هذه الآلام المرافقة لحالة كلوي النفسية غير المستقرة ما يجعلها تزور طبيبعاً نفسياً. من المشهد الأول سنعرف أن لديها مشاكل كامرأة، وأنها ليست فيزيولوجية.

مخرج الفيلم، الفرنسي فرانسوا أوزون، معروف في سيرته الفيلمية باهتمامه بأمرين قد يبدوان هنا، في «العشيق المزدوج»، بأفضل تمثيلاتهما، الأولى هي الاشتغال على الحياة الداخلية وسيكولوجيا شخصياته، والثانية هي الاشتغال على اللقطات في هذه الأفلام وجمالياتها، ما يجعلها تعلق في ذهن المُشاهد أولاً، وتربط بين أحداث ومواضيع الفيلم ثانياً، كمفصل بينها، وكمحتويات لامعة بصرياً داخل السياق الحكائي للفيلم.

كلوي (الجميلة مارين فاكت، بطلة فيلم سابق لأوزون هو «شابة وجميلة»)، تخبرها الطبيبة أن لا مشاكل فيزيولوجية لآلام البطن، فتختار أن ترى طبيباً نفسياً. من بداية الفيلم تتوالى الجلسات التي تحكي فيها عن نفسها، كنوع من تقديم الشخصية نفسَها بنفسها للمُشاهد، كما للطبيب (جيريمي رينييه) الذي سيطلب منها إيقاف زياراتها لأنه بدأ بالتعلق بها، ولا بد من قبلة وهو يخبرها بذلك عند باب عيادته.

تبدأ العلاقة بينهما، تمر أشهر سريعة لنراهما في بيت واحد وقد صارا حبيبين. تكتشف أمراً بين أغراضه وتسأله لتعرف أن له أخاً. قبل أن تعرف أنه أخاه، تأخد موعداً عند طبيب نفسي، لتقابله كمريضة وقد رأته أثناء مرورها بالباص مع امرأة، وظنّته حبيبها. يبدو أن الأخ التوأم كان يعرف بها، استقبلها وكان سلوكه معه كمن يعرفها. الفرق بين الأخوين الطبيبين أن الأول طيّب وحنون والأخر خبيث وعنيف، يؤديهما الممثل ذاته مع تغيير خفيف في شكله، فهما توأمان، وهذا ما ستعرفه لاحقاً كلوي، وتدخل في دوامات تجعل منها هي العشيقة المزدوجة لكليهما، والضحية كذلك، بخلاف ما يمكن أن يوحي به العنوان.

مسألة الازدواج ظاهرة أساساً في الحضور الطاغي للمرايا في الفيلم، وكيفية تصوير الشخصيات من خلال المرايا فيه، في الغرف والعيادات والصالات وغيرها. والازدواج يتخلل ذلك إلى الحياة الداخلية لكلوي نفسها، إذ تنفصل حياتها إلى الواقعي والمتخيَّل، دون أي فصل بينهما، إلا ما يمكن استيعابه لاحقاً من خلال تطوّر ما يبدو واقعياً، وذلك بنفي ما قد بدا خيالياً، دون أن يقدّم الفيلمُ ما يُثبّت أياً من العالمين أو ما يفصل تماماً بينهما، وهذا الازدواج بينهما هو الشكل الذي أظهر فيه الفيلم المشاكل النفسية لكلوي، الظاهرة، فيزيولوجياً، بأوجاع البطن التي بدأت بها الحكاية.

الفيلم عبارة علن ثريلر (تشويق) إيروتيكي، فللجنس ومشاهده بشتى أشكاله حضور أساسي وجريئ في علاقة كلوي مع كل من الأخوين التوأم، تمارسه مع كليهما، بتباين واضح في كيفية ممارستها مع كل منهما، مع حبيبها الحنون ليس كما هي مع عشيقها العنيف الذي يعتدي عليها ويدميها، وهذا الاضطراب النفسي لديها هو المحرّك لتطوّر الحكاية، ولأن تصل أخيراً إلى نهاية لم تكن أبداً بمستوى الفيلم بالمجمل، فقد أخرجتنا النهاية من عالم واقعي تتخلله حيوات داخلية إلى عالم فانتازي أخرج المُشاهدَ من احتمالية وواقعية ما يحصل، أخرجه من الأرضية التي بنى عليها الفيلم حكايتَه، متسائلاً: ما الذي يحصل!

في الفيلم (L’Amant Double) إشارات واضحة للإسباني لويس بانويل، خاصة في فيلمه «كلب أندلسي» حيث تُجرح العين بالشفرة في لقطته الأولى، كما إلى البريطاني ألفرد هيتشكوك، خاصة في فيلمه «فيرتيغو» حيث السلالم الحلزونية، كما إلى الأميركي براين دو بالما، خاصة في تقسيم الشاشة إلى نصفين، وهذه تقنية جمالية أحسن استخدامها أوزون، إضافة إلى علاقة التوأم في فيلم «أختان» لدو بالما، لكنّها إشارات سريعة ومنفردة وبصرية ليست جوهرية في سياق الفيلم. بالمحصلة، أتى الفيلم كإضافة نوعية إلى سيرة أوزون، الشاب نسبياً، السينمائية، المتطوّرة فيلماً عن آخر، وهو الآن من بين الأسماء السينمائية الأبرز في فرنسا.

الفيلم المأخوذ عن رواية للأميركية جويس كارول أوتس شارك قبل أيام في مهرجان كان السينمائي ونافس على السعفة الذهبية، ويُعرض حالياً في الصالات الفرنسية.

في القدس العربي

 

Advertisements
This entry was posted in: سينما

بواسطة

كاتب من فلسطين ومحرّر مجلّة «رمّان» الثّقافية، ويكتب في الصّحافة، النقد السينمائي تحديداً في "القدس العربي". صدر له «ليس عليكِ سوى الماء» و«كرز، أو فاكهة حمراء للتشيزكيك» الحائزة على جائزة "القطّان" في القصة القصيرة، و«خطايا لاجئ». صدرت له حديثاً رواية «تذكرتان إلى صفّورية» عن دار السّاقي، والتي نال مشروعها منحة "آفاق" لكتابة الرواية.

للتعليق..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s